منتدى كمال للعلوم العربية والإسلامية

يهتم بالعلوم العربية الأزهرية والعلوم الإسلامية عموما


    معاني الباء في اللغة

    شاطر

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 96
    نقاط : 252
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    معاني الباء في اللغة

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في الإثنين يوليو 24, 2017 2:40 am

    ذكر ابن هشام النحوي أن حرف (الباء) في اللغة يفيد أربعة عشر معنى، وذكر لمعظمها شاهداً أو شاهدين من القرآن. وفيما يلي ذِكْرٌ للمعاني التي ورد عليها حرف (الباء) في القرآن الكريم مع التمثيل لها، وننقل أقوال المفسرين بصددها:

    الأول: باء الإلصاق، قال ابن هشام: "وهو معنى لا يفارقها؛ فلهذا اقتصر عليه سيبويه"، وكلام سيبويه يفيد أن معنى الإلصاق في (الباء) معنى أصلي، وغيره من المعاني تابع له. ومن أمثلة (الباء) التي جاءت بحسب هذا المعنى في القرآن قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} (المائدة:6)، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن (الباء) هنا معناها الإلصاق، قال الزمخشري: "المراد إلصاق المسح بالرأس". وقال ابن هشام: "الظاهر أن (الباء) فيها للإلصاق". بيد أن القول المعتمد في هذه الآية أن (الباء) هنا تفيد التوكيد -وبتعبير المفسرين- زائدة، والمعنى: وامسحوا رءوسكم.

    الثاني: باء التعدية، وتسمى باء النقل أيضاً، وهي عند جمهور النحويين ترادف الهمزة، فإذا قلت: خرجتُ بزيد؛ فمعناه: أخرجت زيداً، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} (البقرة:17)، قال أبو حيان: "الباء في {بنورهم} للتعدية". وقد ألمح ابن عاشور هنا إلى أمر ذي بال، فقال: "إن باء التعدية جاءت من باء المصاحبة على ما بينه المحققون من النحاة، فإن أصل قولك: ذهبت بزيد، أنك ذهبت مصاحباً له، فأنت أذهبته معك، ثم تنوسي معنى المصاحبة"؛ ولأجل هذا الملحظ اعتبر ابن عاشور أن (الباء) في قوله سبحانه: {أفأمنتم أن يخسف بكم} (الإسراء:68) لتعدية {يخسف} بمعنى المصاحبة.

    الثالث: باء الاستعانة، وهي الداخلة على آلة الفعل، كقولك: كتبت بالقلم. والمثال القرآني الشهير في دلالتها على هذا المعنى قوله تعالى: {بسم الله} (الفاتحة:1)، قال أبو حيان: "الباء في {بسم الله} للاستعانة"، وتقدير الكلام: أقرأ أو أتلو مستعيناً بـ {بسم الله}. وعلى هذا أيضاً قوله تعالى: {ولا طائر يطير بجناحيه} (الأنعام:38)، فـ (الباء) هنا للاستعانة.

    الرابع: باء السببية، وهي التي ترتب أمراً على أمر، والمثال عليها قوله عز وجل: {إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} (البقرة:54)، فَظُلْمُهُم أنفسهم سببُه عبادة العجل. ومنه قوله عز وجل: {فكلا أخذنا بذنبه} (العنكبوت:40)، أي: عاقبناهم بإرسال الريح، والأخذ بالصيحة، والخسف، والغرق بسبب استكبارهم في الأرض، وصدهم عن سبيل الله. و(الباء) بحسب هذا المعنى كثيرة في القرآن.

    الخامس: باء المصاحبة، المثال القرآني الأبرز عليها قوله سبحانه: {يا نوح اهبط بسلام منا} (هود:48)، قال ابن عاشور: "الباء للمصاحبة، أي: اهبط مصحوباً بسلام منا. ومصاحبة السلام -الذي هو التحية- مصاحبة مجازية". ونظير هذا قوله عز وجل: {ادخلوها بسلام آمنين} (الحجر:46)، أي: ادخلوا الجنة مصحوبين بالسلامة، والمعنى: مُسلَّماً عليكم، كما حكي عن الملائكة أنهم يدخلون على أهل الجنة، يقولون: {سلام عليكم} (الرعد:24).

    السادس: الظرفية، والمثال عليها قوله عز وجل: {ولقد نصركم الله ببدر} (آل عمران:123)، قال ابن السمين الحلبي: "في الباء قولان: أظهرهما: أنها ظرفية، أي: في بدر، كقولك: زيد بمكة، أي: في مكة". ونحو هذا قوله تعالى: {إلا آل لوط نجيناهم بسحر } (القمر:34)، أي: في وقت السَّحَر، وهو وقت قبيل الصبح.

    السابع: باء المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، والمثال عليها قوله سبحانه: { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} (البقرة:178)، (الباء) هنا باء المقابلة والمعاوضة، والتقدير: الحر مأخوذ بالحر، والعبد مأخوذ بالعبد، والأنثى مأخوذة بالأنثى. وعلى حسب هذا المعنى عز وجل: {بما أشركوا بالله} (الأنفال:151)، قال ابن عاشور: "(الباء) للعوض، وتسمى باء المقابلة".

    الثامن: باء المجاوزة، كـ (عن)، ومثال هذا قوله سبحانه: {فاسأل به خبيرا} (الفرقان:59)، المعنى: فاسأل عنه. قال ابن عاشور: "(الباء) تأتي بمعنى (عن) وهو من معاني (الباء) الواقعة بعد فعل السؤال"، واستشهد بالآية المذكورة. ومن هذا الباب أيضاً قوله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع} (المعارج:1)، أي: عن عذاب واقع.

    التاسع: باء الاستعلاء، ومثال هذا قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} (آل عمران:75)، فـ (الباء) هنا تفيد الاستعلاء؛ بدليل قوله سبحانه: {قال هل آمنكم عليه} (يوسف:64). ونظير مجيء (الباء) بمعنى (على) أيضاً قوله عز وجل: {وإذا مروا بهم يتغامزون} (المطففين:30)، أي: مروا عليهم؛ بدليل قوله سبحانه: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين} (الصافات:137).

    العاشر: باء الغاية، وهي التي بمعنى (إلى) التي تفيد الغاية، والمثال عليه قوله سبحانه: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} (يوسف:100)، قال أبو حيان: "و{أحسن} أصله أن يتعدى بـ (إلى) قال تعالى: {وأحسن كما أحسن الله إليك} (القصص:77)، وقد يتعدى بـ (الباء)، قال تعالى: {وبالوالدين إحسانا}، كما يقال: أساء إليه، وبه". وقال ابن عاشور: "وعندي أن (الإحسان) إنما يُعدى بـ (الباء) إذا أريد به الإحسان المتعلق بمعاملة الذات وتوقيرها وإكرامها، وهو معنى البر؛ ولذلك جاء {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن}؛ وإذا أريد به إيصال النفع المالي عُدِّي بـ (إلى)، تقول: أحسن إلى فلان، إذا وصله بمال ونحوه".

    الحادي عشر: باء التبعيض، المثال الأبرز هنا ما ذهب إليه الشافعي من أن (الباء) في قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} (المائدة:6) تفيد التبعيض، أي: فامسحوا ببعض رؤوسكم، فالفرض عنده مسح رُبُع الرأس. وجعلوا منه قوله عز وجل: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا} (الإنسان:6)، فـ (الباء) هنا بمعنى (من)، أي: من بعضها، وهذا على قولٍ في معنى هذا الحرف هنا. وقد قال ابن عاشور: "إن الاستعمال العربي يكثر فيه تعدية فعل الشرب بـ (الباء) دون (من)، ولعلهم أرادوا به معنى الملابسة، أو كانت الباء زائدة"، ومراد ابن عاشور أن (الباء) في الآية ليست بمعنى (من) التي تفيد التبعيض.

    الثاني عشر: باء القَسَم، ومثاله على ما قاله بعضهم قوله عز وجل: {ادع لنا ربك بما عهد عندك} (الأعراف:134)، ذكر الزمخشري أن (الباء) في الآية على معنيين...الثاني: أنها باء القَسَم، والمعنى: أقسمنا بعهد الله عندك، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك. ومثال مجيء (الباء) بمعنى القَسَم أيضاً قوله سبحانه: {قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين} (القصص:17)، قال الشوكاني: "هذه (الباء) يجوز أن تكون باء القَسَم، والجواب مقدر، أي: أقسم بإنعامك عليَّ، لأتوبن".

    الثالث عشر: باء التوكيد، ويُعبِّر المفسرون عنها بـ (الباء) الزائدة، ويريدون بهذا التعبير، أن حذفها من الكلام لا يخل بالمعنى، وأنَّ ذكرها يفيد التوكيد. ثم هم بعدُ يقولون: إن زيادة (الباء) تكون في مواضع:

    فتزاد في الفاعل، كما في قوله تعالى: {وكفى بالله حسيبا} (النساء:6)، قال ابن عاشور: "الباء زائدة للتوكيد"، أي: كفى الله حاسباً لأعمالكم ومجازياً بها. ونظيره قوله عز وجل: {وكفى بربك وكيلا} (الإسراء:65)، قال الرازي: "اعلم أن (الباء) في قوله: {وكفى بالله} {وكفى بربك} في جميع القرآن زائدة، هكذا نقله الواحدي عن الزجاج".

    وتزاد في المفعول، مثال ذلك قوله سبحانه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة:195)، (الباء) في {بأيديكم} زائدة، والتقدير: تلقوا أيديكم. قاله القرطبي . ونحو هذا قوله عز وجل: {وهزي إليك بجذع النخلة} (مريم:25)، (الباء) زائدة مؤكدة.

    وتزاد في المبتدأ، والمثال عليه قوله تعالى: {بأييكم المفتون} (القلم:6)، (الباء) زائدة، والمعنى: أيكم المفتون؟ قال قتادة: أي المجنون الذي فتن بالجنون. وثمة أقوال أُخَرُ في معنى (الباء) هنا غير هذا. وتزاد في الخبر، من ذلك قوله عز وجل: {وما الله بغافل عما تعملون} (البقرة:74)، التقدير: وليس الله غافلاً عن عمل عباده، بل يعلم عمل كل عامل، ويحاسب كلاً على عمله. ومن أمثلة زيادة (الباء) في الخبر أيضاً قوله عز وجل: {جزاء سيئة بمثلها } (يونس:27)، قال ابن كيسان: الباء زائدة، والمعنى: جزاء سيئة مثلها، كما قال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (الشورى:40).

    هذه جملة المعاني التي جاء عليها حرف (الباء) في القرآن الكريم على ما ذكره المفسرون وأهل العربية. وواضح من الأمثلة التي ذكرناها لمعنى (الباء) في القرآن الكريم، أن المفسرين قد يختلفون في تعيين وتحديد معنى من هذه المعاني، فيرجح كلٌّ منهم معنى يراه هو الأوفق والأنسب في الدلالة على معنى الآية. ولا حرج في ذلك، فاحتمال الحرف لأكثر من معنى أمر وارد، بل لعل في الاختلاف خير؛ إذ فيه معنى مفيد، وحكم جديد؛ وقد تقدم خلاف العلماء في تحديد معنى (الباء) في قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} (المائدة:6)، حيث حمل الشافعي رحمه الله (الباء) هنا على معنى (التبعيض)، ومن ثم اعتبر أن الواجب في الوضوء مسحُ رُبُع الرأس، وقدَّر معنى الآية: (وامسحوا بعض رءوسكم). وحمل مالك وأحمد رحمهما الله (الباء) هنا على معنى (الإلصاق)، ومن ثم اعتبر أن الواجب مسح جميع الرأس. وفي كل خير.

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 96
    نقاط : 252
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    رد: معاني الباء في اللغة

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في الأحد يوليو 30, 2017 8:50 pm

    مسألة ترتب الجزاء على الأعمال :
    الجبرية قالوا : إن الجزاء غير مرتب على الأعمال ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله"
    والقدرية قالوا إن الجزاء مرتب على الأعمال فمن عمل فقد استحق الجنة بعمله واحتجوا بقوله تعالى "أورثتموها بما كنتم تعملون"
    وهدى الله أهل السنة إلى الحق فقالوا : الباء في الحديث باء المعاوضة التي تجعل أحد العوضين مقابلا للآخر ، والباء في الآية باء السببية فالأعمال سبب لدخول الجنة . فالمثبت في القرآن غير المنفي في السنة .


    عدل سابقا من قبل كمال أحمد زكي في الأحد يوليو 30, 2017 9:37 pm عدل 1 مرات

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 96
    نقاط : 252
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    رد: معاني الباء في اللغة

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في الأحد يوليو 30, 2017 9:29 pm

    الله تعالى أمر في الوضوء بالمسح بالرؤوس والأرجل إلى الكعبين بالماء، فقال تعالى:﴿ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾، وأمر في التيمم بالمسح بالوجه والأيدي بالصعيد، فقال سبحانه:﴿ فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾.

    واتفق العلماء على وجوب استيعاب مسح الوجوه والأيدي في التيمم؛ ولكنهم اختلفوا في القدر الواجب مسحه من الرأس في الوضوء. قال أبو حيان في البحر المحيط:« فروي عن ابن عمر: أنه مسح اليافوخ فقط، وعن سلمة بن الأكوع: أنه كان يمسح مقدم رأسه، وعن إبراهيم والشعبي: أي نواحي رأسك مسحت أجزأك، وعن الحسن: إن لم تصب المرأة إلا شعرة واحدة أجزأها. وأما فقهاء الأمصار فالمشهور من مذهب مالك: وجوب التعميم. والمشهور من مذهب الشافعي: وجوب أدنى ما يطلق عليه اسم المسح، ومشهور مذهب أبي حنيفة والشافعي : أن الأفضل استيعاب الجميع ».

    وقال الزمخشريُّ:« أخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرواية، وأخذ الشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح، وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما روي: أنه مسح على ناصيته، وقدر الناصية بربع الرأس ».

    وهذا الخلاف بينهم مبني على اختلافهم في مدلول الباء الداخلة على الرؤوس، فذهب فريق منهم إلى أنها زائدة مؤكدة، والمعنى: امسحوا رؤوسكم. وذهب فريق آخر إلى أنها للتبعيض، والمعنى: امسحوا بعض رؤوسكم. وذهب فريق ثالث إلى أنها للإلصاق، والمعنى: ألصقوا المسح برؤوسكم.

    فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله أخذًا بالاحتياط، وحجته قوله تعالى في التيمم:﴿ فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾، فكما لا يجزىء في التيمم مسح بعض الوجه اتفاقًا، فكذلك لا يجزىء في الوضوء مسح بعض الرأس.

    ومن رآها مبعضة أوجب مسح بعض الرأس أخذًا ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث مسح على ناصيته؛ كما في حديث المغيرة بن شُعْبَةَ:« أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته وعلى عمامته وخُفَّيْه »، وقدروا الناصية بربع الرأس.

    ومن رآها للإلصاق لم يوجب التعميم؛ بل رأى أنه يكفي مسح اليد بجزء من أجزاء الرأس أخذًا باليقين؛ فإن قولك: مسحت برأس اليتيم، يقتضي مسح جزء من الرأس، ومسح الرأس كله. قال الزمخشري:« المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسحُ بعضه ومستوفيُه بالمسح كلاهما ملصق المسح برأسه ».

    ثانيًا- وكون الباء زائدة هو ظاهر مذهب سيبويه، فإنه حكى:« خشنت صدره وبصدره. ومسحت رأسه وبرأسه »، والمعنى واحد. وقال الفرَّاءُ:« تقول العرب: خذ الخطام وخذ بالخطام. وخذ برأسه ورأسه ». وعليه يكون دخول الباء، وخروجها سواء، وتعليل البصريين لزيادتها بأنها للتوكيد ليس بشيء. وعلل بعضهم لزيادتها بأنها إنما زيدت؛ لتفيد معنى بديعًا، وهو أن الغسل- لغة- يقتضي مغسولاً به، والمسح- لغة- لا يقتضي ممسوحًا به. فلو قال:{ وامسحوا رؤوسكم }، لأجزأ المسح باليد إمرارًا من غير شيء على الرأس، فدخلت الباء؛ لتفيد ممسوحًا به، وهو الماء؛ فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماء.

    وهذا مردود بقوله تعالى:﴿ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴾(ص: 33)؛ فإن الباء دخلت على السوق، ولم تفد ممسوحًا به. ولو كان المسح بدخول الباء يقتضي ممسوحًا به، لاقتضاه هنا.

    وأما كونها للتبعيض فينكره أكثر النحاة، حتى قال العُكْبُريُّ:« وقال من لا خبرة له بالعربية: الباء في مثل هذا للتبعيض، وليس بشيء يعرفه أهل العلم ». ومنهم من نسبه إلى أصحاب الشافعي. قال ابن جني:« وأما ما يحكيه أصحاب الشافعي من أن الباء للتبعيض فشيء لا يعرفه أصحابنا، ولا ورد به ثَبِتٌ ». ومنهم من نقل عن ابن هشام أنه نسبه إلى الشافعي في شرح قصيدة كعب بن زهير، والذي حققه السيوطي أن الباء عند الشافعي للإلصاق، وأنكر أن تكون عنده للتبعيض، وقال:« هي للإلصاق. أي: ألصقوا المسح برؤوسكم، وهو يصدق ببعض شعره، وبه تمسك الشافعي »، ونقل عبارة ( الأم )، وقال في آخرها:« وليس فيه أن الباء للتبعيض، كما ظن كثير من الناس ».

    وأما ابن هشام فقد ذكر في مغني اللبيب من معاني الباء: التبعيض، وحكاه عن الأصمعي والفارسي وابن قتيبة وابن مالك والكوفيين، ثم قال: « قيل: ومنه:﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ ﴾ »، ثم عقَّب عليه بقوله:« والظاهر أن الباء للإلصاق، أو للاستعانة، وأن في الكلام حذفًا وقلبًا؛ فإن { مسح } يتعدى إلى المُزَال عنه بنفسه، والى المُزيل بالباء، والأصل: امسحوا رؤوسكم بالماء، فقلب معمول: مسح ».

    وعلى هذا يكون في الباء قولاً رابعًا، وهو كونها للاستعانة، وهي التي تدخل على آلة الفعل؛ كما في قولك:{ مسحت بالمنديل يدي }. وحكى الرازي عن الشافعي:« أنه لو قيل: مسحت المنديل، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية. أما لو قال: مسحت يدي بالمنديل، فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل ». وحملوا على ذلك قول الله تعالى:﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾، فقالوا: إنه يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء الرأس. وعليه يكون الرأس آلة لمسح تلك اليدين، ويكون الفَرْضُ- إذ ذاك- ليس مسح الرأس؛ بل الفَرْضُ مسح اليدين بالرأس، ويكون في اليدين فرضان: أحدهما: غسل جميعهما إلى المرافق، والآخر: مسح بللهما بالرأس. ويلزم عليه أن يكون المأمور به هو مسح الماء بجزء من الرأس المقدَّر بالربع؛ كما في قول من جعل الباء للتبعيض.

    ثالثًا- وتحقيق القول في هذه المسألة الخلافية: أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه قائلاً: امسح رأسك، كان المأمور ممتثلاً بفعل ما يصدق عليه مُسَمَّى المسح، وليس في لغة العرب ما يقتضي أنه لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس. وهكذا سائر الأفعال المتعدية؛ نحو: اضرب زيدًا، أو اطعنه، أو ارجمه، فإنه يوجد المعنى العربي بوقوع الضرب، أو الطعن، أو الرجم على عضو من أعضائه. ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها: إنه لا يكون ضاربًا، أو راجمًا، أو طاعنًا إلا بإيقاع الضرب والرجم والطعن على كل جزء من أجزاء زيد.

    فإذا قلت: امسح برأس زيد، فقد دلَّت الباء على معنى زائد لم يكن موجودَا قبل دخول الباء. ومن هنا لا يجوز أن يقال: إن قولك: امسح رأس زيد، وقولك: امسح برأسه، بمعنى واحد، وإن الباء في الثاني زائدة، أو للتبعيض، أو للآلة؛ لأن القول بالزيادة فضل من القول زائد لا يلتفت إليه، وأما القول بالتبعيض فمفهوم من الكلام قبل دخول الباء، وأما القول بأن الباء للآلة فلا يصح؛ لأنه لا يجوز أن يجعل الرأس آلة للمسح. أو أن ينزَّل- على حد قول الزرقاني- منزلة الآلة، خلافًا لما يقتضيه ظاهر اللفظ، فيفيد- كما قال- وجوب مسح ربع الرأس.
    فإذا عرفت هذا، تبين لك أن الباء في قوله تعالى:﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ ليست بزائدة، أو للتبعيض، أو للآلة؛ وإنما هي للإلصاق، جيء بها لتدل على إلصاق المسح بالرأس، وإلصاق المسح بالرأس يقتضي مسح جميعه، خلافًا لمن قال: إنها تدل على مسح بعضه؛ فليس من يمسح بعض الرأس يطلق عليه أنه ملصق المسح برأسه؛ إنما يطلق عليه أنه ملصق المسح ببعضه، وقد بينت السنة أن الرأس يمسح مرة واحدة بكيفية معينة؛ وذلك بأن يبدأ من مقدم الرأس بيديه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ مرة واحدة.

    والدليل على وجوب تعميم مسح الرأس في الوضوء قوله تعالى في التيمم:﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ ﴾، ولا يجزئ مسح بعض الوجه اتفاقًا. فلما لم يجز الاقتصار في التيمم على مسح بعض الوجه دون بعض، كذلك لا يجوز الاقتصار في الوضوء على مسح بعض الرأس دون بعض.. والله تعالى أعلم بمراده وأسرار بيانه.
    منقول.

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 96
    نقاط : 252
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    رد: معاني الباء في اللغة

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في الأحد يوليو 30, 2017 9:32 pm

    وقال ابن تيميه:
    وكذلك المسح في الوضوء والتيمم لو قال فامسحوا رؤوسكم أو وجوهكم لم تدل على ما يلتصق بالمسح فانك تقول مسحت رأس فلان وان لم يكن بيدك بلل فاذا قيل فامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الالصاق فأفاد أنكم تلصقون برؤوسكم وبوجوهكم شيئا بهذا المسح وهذا يفيد في آية التيمم أنه لا بد أن يلتصق الصعيد بالوجه واليد ولهذا قال { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } وإنما مأخذ من جوز البعض الحديث
    ثم تنازعوا فمنهم من قال يجزئ قدر الناصية كرواية عن أحمد وقول بعض الحنفية ومنهم من قال يجزئ الأكثر كرواية عن أحمد وقول بعض المالكية ومنهم من قال يجزئ الربع ومنهم من قال قدر ثلاث أصابع وهما قولان للحنفية ومنهم من قال ثلاث شعرات أو بعضها ومنهم من قال شعرة أو بعضها وهما قولان للشافعية
    وأما الذين أوجبوا الاستيعاب كمالك وأحمد في المشهور من مذهبهما فحجتهم ظاهر القرآن وإذا سلم لهم منازعوهم وجوب الاستيعاب في مسح التيمم كان في مسح الوضوء أولى وأحرى لفظا ومعنى ولا يقال التيمم وجب فيه الاستيعاب لأنه بدل عن غسل الوجه واستيعابه وأجيب بأن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين وأيضا للسنة المستفيضة من عمل رسول الله
    وأما حديث المغيرة بن شعبة فعند أحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك وإذا مسح عنده بناصيته وكمل الباقي بعمامته أجزأه ذلك عنده بلا ريب.
    وأما مالك فلا جواب له عن الحديث الا أن يحمله على أنه كان معذورا لا يمكنه كشف الرأس فتيمم على العمامة للعذر ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع وأجزأه بدون العذر عند الثلاثة ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة
    وتنازعوا في مسحه ثلاثا هل يستحب فمذهب الجمهور أنه لا يستحب كمالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه.
    وقال الشافعي وأحمد في رواية عنه يستحب لما في الصحيح أنه توضأ ثلاثا ثلاثا وهذا عام وفي سنن أبي داود أنه مسح برأسه ثلاثا ولأنه عضو من أعضاء الوضوء فسن فيه الثلاث كسائر الأعضاء والأول أصح فان الأحاديث الصحيحة عن النبي تبين انه كان يمسح رأسه مرة واحدة ولهذا قال أبو داود السجستاني احاديث عثمان الصحاح تدل على أنه مسح مرة واحدة وبهذا يبطل ما رواه من مسحه ثلاثا فانه يبين أن الصحيح أنه مسح رأسه مرة وهذا المفصل يقضي على المجمل وهو قوله توضأ ثلاثا ثلاثا كما أنه لما قال اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول كان هذا مجملا وفسره حديث بن عمر أنه يقول عند الحيعلة لا حول ولا قوة الا بالله فإن الخاص المفسر يقضي على العام المجمل
    وأيضا فان هذا مسح والمسح لا يسن فيه التكرار كمسح الخف والمسح في التيمم ومسح الجبيرة وإلحاق المسح بالمسح أولى من إلحاقه بالغسل لأن المسح إذا كرر كان كالغسل وما يفعله الناس من أنه يمسح بعض رأسه بل بعض شعره ثلاث مرات خطأ مخالف للسنة المجمع عليها من وجهين من جهة مسحه بعض رأسه فانه خلاف السنة باتفاق الأئمة ومن جهة تكراره فانه خلاف السنة على الصحيح ومن يستحب التكرار كالشافعي وأحمد في قول لا يقولون
    امسح البعض وكرره بل يقولون امسح الجميع وكرر المسح
    ولا خلاف بين الأئمة أن مسح جميع الرأس مرة واحدة أولى من مسح بعضه ثلاثا بل إذا قيل ان مسح البعض يجزئ وأخذ رجل بالرخصة كيف يكرر المسح ثم المسلمون متنازعون في جواز الاقتصار على البعض وفي عدم استحباب تكرار المسح فكيف يعدل إلى فعل لا يجزئ عند أكثرهم ولا يستحب عند أكثرهم ويترك فعل يجزئ عند جميعهم وهو الأفضل عند أكثرهم والله أعلم.


    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 96
    نقاط : 252
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    رد: معاني الباء في اللغة

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في الأحد يوليو 30, 2017 9:36 pm

    لقد كان اختلاف العلماء في بعض المسائل النحوية مفض إلى اختلافهم في بعض المسائل الفقهية. وأكثر ما يبدو ذلك في اختلافهم في تحديد المراد بـ (حروف الجر) كالمسالة السابقة، ومن ذلك أيضا:
    - قوله سبحانه في تقرير صفة الوضوء: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} (المائدة:6)، فقد اختلفت أنظار الفقهاء هنا -وتبعهم المفسرون- في دخول المرافق في الغَسل أو عدم دخولها، وهم في ذلك على رأيين:
    الأول: وهو رأي الجمهور، الذين يرون وجوب إدخالهما في الغَسل؛ لأنهم يرجحون دخول ما بعد (إلى) في حكم ما قبلها إذا كان من جنسه، والمرفق من جنس اليد، والكعب من جنس الرِّجل.
    ومن أدلة الجمهور أيضاً، أن (إلى) قد تكون هنا بمعنى (مع)، وقد جاءت كذلك في قوله تعالى: {قال من أنصاري إلى الله} (آل عمران:52)، أي: مع الله. وقوله سبحانه: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} (:52)، أي: مع قوتكم.
    الثاني: رأي متأخري المالكية، الذين يرون أن المرفق والكعب غير داخلين في وجوب الغَسل؛ لأنهم يرجحون أن ما بعد (إلى) غير داخل في حكم ما قبلها. وقد يُستدل لرأيهم بقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} (البقرة:187)، فـ {الليل} غير داخل بالصيام قطعاً.

    - قوله عز وجل في تقرير فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (آل عمران:104). اختلاف العلماء في معنى (من) في قوله سبحانه: {منكم} على قولين:
    أولاهما: أن (من) في الآية للتبعيض، والمعنى: ليكن منكم فئة قائمة على الأمر بالمعروف والنهي على المنكر. وبحسب هذا المعنى، يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ويُستدل لهذا القول بقوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم} (التوبة:122). وقد رجح القرطبي هذا القول في معنى (من) في هذه الآية.
    ثانيهما: أن (من) في الآية لبيان الجنس، والمعنى: كونوا أمة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، ويؤيد هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.

    منقول



      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 4:27 am