منتدى كمال للعلوم العربية والإسلامية

يهتم بالعلوم العربية الأزهرية والعلوم الإسلامية عموما


    الصدقة وفوائدها وأفضلها ومبطلاتها

    شاطر

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 79
    نقاط : 211
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    الصدقة وفوائدها وأفضلها ومبطلاتها

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في السبت سبتمبر 09, 2017 12:42 am

    الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم ربي لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك وأشهد أن لا إلاه إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيرا ونذيرا، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى وأحثكم على ذكره.

    أما بعد فيا عباد الله، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:” إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ”.

    أيها الإخوة الكرام، في خطبة هذا اليوم المبارك سنتكلم عن الصدقة وأفضل الصدقات وفوائدها ومبطلاتها، وذلك لكون الصدقة عملا بسيطا ينال به الإنسان أجرا عظيما وفوائد جمة في الدنيا والآخرة، ومع ذلك لايعطي لهذا العمل أهمية كبرى في أفعاله اليومية.

    بداية الصدقة هي كل ما يعطى للمحتاجين من أجل التقرب لله تعالى وطلباً لرضاه ولثوابه، فكل ما يملكه الإنسان هو ملكٌ لله تعالى، فلا يجوز منع ذلك عن الأشخاص المحتاجين، وتركهم يعانون مع احتياجاتهم اليومية.
    أول فوائد الصدقة، أنها تطفىء غضب الله سبحانه وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح الترغيب:” إن صدقة السر تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى”، ومن فوائدها أنها تمحو الخطيئة، وتذهب نارها كما قال صلى الله عليه وسلم فيما ورد في صحيح الترغيب” والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار”، ومن فوائدها، أنها وقاية من النار،كما في قوله صلى الله عليه سلم:” فاتقوا النار ولو بشق تمرة”، ومن فوائدها، أن العبد إنما يصل حقيقة البر والتقوى بالصدقة، كما جاء في قوله تعالى:” لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ”، ومن فوائدها، أنَّ الصدقة دليلٌ على صدق العبد وإيمانه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم:”والصدقة برهان”، ومن فوائدها، أن المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة،كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه الذي رواه الحاكم وابن حبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:” كل امرئ في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس”، قال يزيد: فكان أبو مرثد رضي الله عنه لا يخطئه يوم إلا تصدق، ومن الفوائد، أن في الصدقة دواء للأمراض البدنية كما في قوله صلى الله عليه وسلم:” داووا مرضاكم بالصدقة”، يقول ابن شقيق كما في صحيح الترغيب: سمعت الرباني الكبير عبد الله بن المبارك رحمه الله، وقد سأله رجل عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: “اذهب فاحفر بئراً في مكان في حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ، ويدخل في ذلك الشفاء من الأمراض القلبية، روى الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن شكى إليه قسوة قلبه:” إذا أردت تليين قلبك فأطعم المسكين، وامسح على رأس اليتيم”، ومن فوائدها: أن الله يدفع بالصدقة أنواعاً من البلاء، كما ورد في وصية ليحيى عليه السلام لبني إسرائيل وهي في الجامع الصحيح، فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء.

    هذا بخصوص بعض الفوائد، أما أفضل الصدقات، فالصدقة الخفية تعد من أفضل الصدقات؛ لأنَّها أقرب إلى الإخلاص من الصدقة المعلنة، يقول عز وجل:”إن تبدوا الصدقات فنعماهي وإن تخفوها وتوتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم سيئاتكم والله بما تعملون خبير”، هذه الآية فيها دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه يكون أبعد عن الرياء، إلا إذا ترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية، وفي بعض الأقوال أن هذه الآية:” إن تبدو الصدقات فنعماهي وإن تخفوها وتوتوها الفقراء فهو خير لكم” نزلت في حق سيدنا أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “ماخلفت وراءك لأهلك ياعمر”؟، قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “ماخلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر”؟ فقال: عدة الله وعدة رسوله، فبكى عمر رضي الله عنه، وقال: “بأبي أنت وأمي ياأبا بكر، والله مااستبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقا”.

    وروى الإمام الترمذي والإمام أحمد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فعاد بها عليها فاستقرت، فعجبت الملائكة من شدة الجبال، قالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال نعم النار، فقالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال نعم الماء، قالوا يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح، قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم تصدق بصدقة بيمينه يخفيها من شماله، أي التصدق من بني آدم أشد من الريح ومن كل ما ذكر، وذلك لأن فيه مخالفة النفس وقهر الطبيعة والشيطان، أو لأن صدقته تطفئ غضب الرب، وغضب الله تعالى لايقابله شيء في الصعوبة والشدة كما ذكر العلماء.

    أيها الإخوة الكرام، اعلموا أن الشارع الحكيم ماأمر العبد بصدقة السر إلا لما يعلم من نفس العبد من محبة المال وإنفاقه ليقال، فلا يكاد يسكت على ماأعطاه لأحد أبدا لعظمته عنده، وكان علي بن الحسين زين العابدين رحمة الله عليه، يحمل الصدقات والطعام ليلاً على ظهره، ويوصل ذلك إلى بيوت الأرامل والفقراء في المدينة، ولا يعلمون من وضعها، وكان لا يستعين بخادم ولا عبد أو غيره، لئلا يطلع عليه أحد، وبقي كذلك سنوات طويلة، وما كان الفقراء والأرامل يعلمون كيف جاءهم هذا الطعام، فلما مات وجدوا على ظهره آثاراً من السواد، فعلموا أن ذلك بسبب ما كان يحمله على ظهره، فما انقطعت صدقة السر في المدينة حتى مات زين العابدين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد فياعباد الله، ومن أفضل الصدقات الصدقةُ في حال الصحة والقوة، وأنها أفضل من الوصية بعد الموت أو حال المرض والاحتضار، ومن أفضل الصدقات بذل الإنسان ما يستطيعه ويطيقه مع القلة والحاجة، ومن أفضل الصدقات الإنفاق على الأولاد والصدقة على القريب واليتيم والقريب الذي يضمر العداوة ويخفيها والصَّدقة على الجار والصدقة على الصاحب والصديق في سبيل الله والصدقة الجارية، وهي ما يبقى بعد موت العبد، فهذه كلها تعد من أفضل الصدقات.

    بقي أن نتكلم على مايبطل الصدقة، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:”يا أيها الذين أمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولايومن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، لايقدرون على شيء مما كسبوا والله لايهدي القوم الكافرين”، ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير المن والأذى، المن المن على الله، والأذى الأذى للفقير، والعرب تقول لما يمن به يد سوداء، ولما يعطى عن غير مسألة يد بيضاء، ولما يعطى عن مسألة يد خضراء، وقال بعض البلغاء: من من بمعروفه سقط شكره، ومن أعجب بعمله حبط أجره، والمن والأذى في صدقة لايبطل صدقة غيرها.

    في هذه لآيات يخبر المولى عز وجل أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فلا يبقى هنالك وجود لثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى، فالذي يمن ويؤذي بصدقته تماما كالذي يرائي بها الناس، ويظهر لهم أنه يريد بها وجه الله وكل قصده إنما هو مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس، أو يقال: إنك كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه.

    أيها الإخوة الكرام، تنافسوا وتسابقوا على الخير كما كان الصحابة رضوان الله عليهم يتنافسون في الخير، واجعلوهم قدوة لكم، وهم نعم الأسوة والقدوة، ووطنوا أنفسكم على التصدق مع الإخلاص لله، والتصدق مع الإخفاء، وتعاملوا في ذلك مع خالقكم عز وجل، لأنه يكفي أنه عالم بصدقاتكم عارف بما تسرون وما تعلنون، وإذا عرفتم ذلك لايهمنكم سواه، والحمد لله رب العالمين.


    أيها الإخوة الكرام، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:” ياأيها الذين أمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن ياتي يوم لابيع فيه ولاخلة ولاشفاعة والكافرون هم الظالمون”، ويقول أيضا عز من قائل:” قل لعبادي الذين أمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن ياتي يوم لابيع فيه ولا خلال”، في هذه الآيات يأمر سبحانه وتعالى عباده بالإنفاق في سبيله، وفي سبل الخير الكثيرة بالسر والعلانية ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا، من قبل أن يأتي يوم القيامة، اليوم الذي لابيع فيه ولاخلة ولاشفاعة، يوم لايمكن فيه بيع ولاشراء ولا استدراك ولانفقة، أي لايباع من أحد من نفسه ولايفادى بمال، وصدق الله تعالى إذ يقول على لسان ابن آدم في ذلك الموقف العظيم:” فيقول ربي لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق”، فكل مفرط ومقصر في هذا الجانب سيندم عند الاحتضار ندما مابعده من ندم، ويسأل طول المدة ولو شيئا يسيرا ليستدرك مافاته، ولكن هيهات، كان ماكان وأتى ماهو آت، روى الإمام الترمذي عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قَالَ: “مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْـمَوْتِ”، من أجل ذلك فمادام الواحد منا حيا في دار الدنيا يتقلب، فيجب عليه أن يغتنم الفرصة وينفق مما آتاه الله تعالى من أموال الزكاة وغيرها من أموال التطوع، قليلا كان أم كثيرا، على الفقراء والمساكين والمستضعفين والأرامل والعجزة والمزمنين والمعاقين وذوي الحاجات، ومن ليس لهم معيل، ومن دعتهم الحاجة الملحة والفقر المدقع إلى امتهان واحتراف مهن رذيلة مشينة ومن في حكمهم، فأنفقوا أيها الإخوة والأخوات على أمثال هؤلاء وأشعروهم بعزتهم وكرامتهم، فكل غني آتاه الله مالا وهو يعلم هذه الحالات من حوله ولم يتحرك ولم ينفق فهو آتم، بل إنه على الجميع أن ينفق مما آتاه الله، روى الإمام البخاري عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟، قالوا: يارسول الله مامنا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ماقدم ومال وارثه ماأخر”، وورد في بعض الآثار القدسية: أن الله يسأل العبد يوم القيامة: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول هذا العبد: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله عز وجل: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، ويقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فقال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك”، وأنا أقول لكم هذه الحقيقة: أي إنسان ينفق في حياته، الله عز وجل يحفظ له أولاده بعد مماته، وأي إنسان يمسك في حياته من أجل أولاده، الله عز وجل قد يتلف له ماله بعد مماته، هذا إن لم يستعن أولاده بذلك المال على المعاصي والآثام.

    إن هذا المال الذي استودعنا الله إياه، إن لم ننفقه في سبيل الله، سوف نغادر الدنيا ويبقى لغيرنا، ولاندري كيف سينفق؟، وقد ينفق في معصية الله كما ذكرت آنفا، إن هناك العشرات من الوصايا لم تنفد واحدة منها، فأنفقوا من أموالكم مادمتم في هذه الحياة الدنيا، ونفذوا كل ما تنوون القيام به لفائدة غيركم من وقف ووصية وتبرع وصدقات وغيرها من أعمال الخير، ولا تتكلوا على ورثتكم من بعدكم فتندمون، جاء في الخبر عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” إن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول:” يا أهلي ياولدي لاتلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، وأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي”.

    أيها الإخوة الكرام، روي أن في التوراة مكتوب:” عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة”، وفي القرآن مصداقه وهو قوله:”وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين”، وروى أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُوم”، وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان، ثم قرأ:” الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء”، واللمة هي مايجده الإنسان في قلبه من خطرات الخير أو الشر، وواعظ الله هو لمة الملك في قلب المؤمن، وهواجس الشر هي لمة الشيطان، أعاذني الله وإياكم من همزه ونفثه ونفخه واتباع سبله وطرقه، وهداني وإياكم للاطمئنان بما عند الله تعالى، أمين أمين أمين أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه،

    أما بعد فياعباد الله، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:”مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم”، في هذه الآية يشبه الله عز وجل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة، فأنبتت الحبة سبع سنابل، يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فشبه المتصدق بالزارع، وشبه الصدقة بالبذرة، فيعطيه الله بكل صدقة سبعمائة حسنة، ثم قال الله تعالى:” والله يضاعف لمن يشاء”، يعني على سبعمائة، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع إن كان حاذقا في عمله، فحيث يكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر، فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويضعه موضعه، فيصير الثواب أكثر.

    أيها الإخوة الكرام، روي أن هذه الآية نزلت في شأن سيدنا عثمان بن عفان وسيدنا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما-، وذلك أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقة، فقال: يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف، فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربي، فقال سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم :”بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت”، وقال سيدنا عثمان: يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، فنزلت هذه الآية فيهما، قال سيدنا أبو سعيد الخدري :” رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا يده يدعو لعثمان ويقول: يارب إن عثمان رضيت عنه فارض عنه، فمازال رافعا يده حتى طلع الفجر”.أسأل الله عز وجل أن يجعل المال في أيدينا ولا يجعله في قلوبنا، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لإنفاق المال في وجوهه وأن يحفظنا من آفات الشح والبخل، واجعل يارب أوسع أرزاقك علينا عند كبر سننا وانقطاع عمرنا، أمين أمين أمين والحمد لله رب العالمين.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 18, 2017 7:23 pm