منتدى كمال للعلوم العربية والإسلامية

يهتم بالعلوم العربية الأزهرية والعلوم الإسلامية عموما


    هل يغسل شهيد المعركة ويصلّى عليه أم لا

    شاطر

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 79
    نقاط : 211
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    هل يغسل شهيد المعركة ويصلّى عليه أم لا

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في الجمعة أكتوبر 06, 2017 11:29 am

    اختلف الناس في الشهيد الذي قتله العدو في المعترك هل يغسل ويصلّى عليه أم لا؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا ويغسّل ولا يصلى عليه. وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري إلى أنه يغسّل ويصلى عليه. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يغسّل لكن يصلّى عليه. فدليلنا عدى نفي الغسل والصلاة حديث شهداء أحد فإنهم لم يغسلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا صلّى عليهم ولم تحتفل الرواة ... ويذكره الصحابة رضوان الله عليهم إلا تنبيهًا على مخالفة الشهيد لغيره من الموتى. ولا يمكن أن يغسل وسبعون شهيدًا ويخفى غسلهم والصلاة عليهم وما تعلق به المخالف من رواية من روى أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى عليهم فإن الأئمة ضعفوه لا سيما وقد ذكر فيه أنه كان يؤتى بعشرة فيصلي عليهم ومعهم حمزة رضي الله عنهم. فكانت صلاته على حمزة سبعين صلاة. وهذا حساب يوهن الخبر لأن الشهداء سبعون. وإنما يحصل لحمزة سبعون صلاة إذا صلى عليه مع كل عشرة لو كان الشهداء سبعمائة. وقد قيل لمالك أبَلَغك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على حمزة رضي الله عنه سبعين تكبيرة. فقال لم يبلغني ذلك ولا أنه صلى على أحد من الشهداء. فإن تعسفوا وحملوا روايتنا على أنه لم يصل عليهم أفرادًا حملنا روايتهم على أنه صلى عليهم بمعنى دعا لهم. وتأويلنا لخبرهم أقرب من تاويلهم لخبرنا. فإن رجحوا خبرهم بأنه مثبت، وخبرنا ناف فيمكن أن يكون راويه لم يعلم الصلاة. أجبنا بأنه محال أن تخفى الصلاة على قتلى أحد مع اشتهار قصتهم وكثرة عددهم. على أنا أيضًا نُوجه خبرنا بسلامته عن الطعن في راويه. فإن تعلقوا بما رواه شدّاد بن الهاد أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ما هذا يا محمَّد؟ فقال قسمت لك. فقال ما على هذا تبعتك ولكن أتبعك على أن أرمَى بسهم ها هنا. وأشار إلى عنقه فأموت فأدخل الجنة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلًا ثم نهضوا إلى العدو فحمل ذلك الأعرابي. وقد أصابه سهم حيث أشار بيده. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أهو هو؟ قالوا نعم يا رسول الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صدق الله فصدقه. فكفّنه النبي- صلى الله عليه وسلم - وصلى عليه. وجوابنا عن هذا أن نقول يحتمل أن يكون معنى قوله صلى عليه - صلى الله عليه وسلم - دعا له. ويحتمل أن يكون مات بعد أن تقضي الحرب على صفة لا تمنع من الصلاة عليه على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. ومما يستدل به أيضًا قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
    فأثبت الله تعالى لهم حكم الحياة. والحي لا يغسل ولا يصلى عليه. وبهذا استدل أصحابنا وأصحاب الشافعي. وفيه نظر لأن طرده يقتضي أن الشهيد لا يورث كما أن الحي لا يورث. ولما أجمع على توريث الشهيد دل ذلك على أن المراد بالآية حياة الآخرة، لا حياة الدنيا. والقصد بها تعظيم الشهادة المثمرة دوام الحياة عند الله سبحانه. ومما يستدل به أيضًا على أبي حنيفة دون الحسن وابن المسيب موافقته لنا على سقوط الغسل. وسقوط الغسل يشعر بسقوط الصلاة. ألا ترى أن الحائض ما لم تغتسل لم تصل. ومن لم يجد ماءًا ولا تُرابًا لم يُصل على أحد الأقوال عندنا. وهذا الاستدلال إنما يصفو بعد البيان عن علة ترك الغسل. واعلم أن للناس فيه ثلاث طرق ذهب بعض الحذاق إلى أنه غير معلل. وذهب بعضهم إلى أنه معلل. واختلف هؤلاء في العلة. فقال. بعضهم الدماء أثر الشهادة. وإزالة أثر العبادة لا يحسن. قالوا وقد نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا المعنى بانهم يحشرون بدمائهم. وفي هذا إشارة خفيّة إلى أنه يتنرل ذلك عند الله يوم القيامة منزلة الشهادة على القاتل ظلمًا. ألا ترى أن في الحياة نستدل بتحريك الثوب. وآثار الضرب بين يدي الحكام على أن المفعول به ذلك مظلوم فكان الدم يوم المحشر مشعر لأهل الجهاد يكون الشهيد قتل مظلومًا. وقد طعن في هذا التعليل بأنه يقتضي أن يُغسّل من مات في المعترك بالخنق أو بما في معناه من الأسباب التي لا يبقى لها أثر أبدًا أو طعن فيه أيضًا بأنه كان ينبغي أن ينقل إلى التيمم كالميت الذي لا يوجد له ماء، فإنه ييمم. وقد ينفصل أصحاب هذا التعليل. عن هذه المطاعن، بأنه لما كان الغالب في الحروب القتل بسفك الدماء لا بغيره من أنواع القتل حكم في الشهيد بهذا الحكم، وغير ملتفت إلى ما يحدث نادرَا. وهذا كثير في أصول الشريعة. وقد طعن في هذا التعليل أيضًا، لأنه لم يقصد بذكر دمائهم يوم القيامة إلا قطع وهم من ظن أن غسلهم متعين لما بهم من أذى. ولم يرد به جعل ذلك علة تمنع من الصلاة.
    وقال بعضهم أن العلة كون الشهادة في الشريعة تطهير. والمطهر يستغني عن التطهير. وقد يطعن في هذا التعلل أن الصبي مطهر وهو مع ذلك يغسل.
    وقد ينفصل عن هذا بأن الصغير وإن كان يطهر من الآثام، فإنه يجوز هنا في هذا الحكم كما أجرى على حكمه في أحكام كثيرة في الشرع ... يرثه المسلم. وإن كان في سن من لا يتعقل الإِسلام، وما ذاك إلا أنه جرى عليه حكم أبويه. وقد يطعن في هذا التعليل أيضًا بأن النبوءة من أعظم المراتب. وقد غُسّل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    وقد تبين من هذا بأن الشهادة لما كانت مما يكتسب كانت سببًا في ترك الطهارة: والصلاة إشعارًا بعظم مرتبتها عند الله تعالى. وأنها تغني عما سواها يطلبها المسلمون. والشهادة مما لا يطلب ولا يكتسب. فجرى النبي - صلى الله عليه وسلم - مجرى امتداد هذا الحكم ليتحقق هذا الحكم ويتأكد بإجرائه فيه. وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم يفرقون بين الطهارة والصلاة بأنه لا معنى لغسله بالماء سوى تطهيره. والشهادة تغني الميت عن هذا التطهير بالماء. وأما الصلاة فإنها شفاعة وسؤال في الذمة. ورحمة الله تعالى لا نهاية لها. فطلب المزيد منها مرغوب فيه. فالشهيد وإن كان مرحومًا فلا غناء له عن السؤال له في زيادة الرحمة. وأما ابن المسيب والحسن القائلان بأن الشهيد يغسل ويصلى عليه، يمكن أن يكونا رأيا حديث قتلى أحد مضطربًا لما قدمناه من اختلاف الرواة فيه. فعدلا عن القول به. ويمكن أن يكونا رأياه ثابتًا. ولكنه مختص بقتلى أحد إما لأن الأصل قصد هذه الأفعال عندهم تاولًا بأنها معللة بعلة تفسد لا يعلم تعديها إلى من سوى قتلى أحد. لأنه أخبر أنهم يحشرون بدمائهم. فلا يعدل لهما إلى القطع بأن غيرهم من الشهداء كذلك. وقد تكلمنا على مثل العلة في غسل المحرم أوتطييبه. على أنه قد ذكر في بعض الطرق أنه قال فإنه لا يكلم أحد في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة الحديث. فأشار إلى تعدي الحكم. ويمكن أن يكونا سلكا طريقة رابعة بأن رأيا حديث ترك الصلاة على قتلى أحد منسوخًا. لأن البخاري روى في كتابه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل موته صلى على قتلى أحد صلاته على الموتى.
    فاقتضى ذلك- ترك الصلاة على الشهداء. فإذا وضح ذلك فقد اتضح ما قدمناه من الاضطراب في التعليل اختلاف الناس في غسل الشهيد الذي لم. يبلغ الحلم.
    فعنده أن حكمه حكم الشهيد الكبير في ترك الغسل والصلاة. وعند أبي حنيفة أنه لا أثر للشهادة فيه يوجب سقوط غسله والصلاة عليه. وأجراه مجرى من لم يستشهد. كما قدمنا أن أصحابه رأوا أن سقوط الغسل إنما كان لأنه طهارة.
    وطهارة الشهادة تغني. فإذا كان الشهيد ليس من أهل التطهير بقي على حكم الأصل. ونحن قدمنا الجواب عن هذا فيما قدمناه. وذكرنا بأن الشرع جاء بإلحاق الصغار بالكبار في كثير من الأحكام. وقد ذكر في بعض الطرق زملوهم بدمائهم فإنه لا يكلم أحد في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة بدم اللون لون الدم وريحه ريح المسك. أو كما قال يعم كل من يكلم في سبيل الله من الكبار والصغار. وقد اختلف أصحابنا في الشهيد إذا قتل جنبًا هل يغسل أم لا. فقال أشهب وابن الماجشون لا يغسل. وقال أحمد إنه يغسل. وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي اختلف قوله كذلك. ورأيت في كتب أصحابه أن الخلاف في ذلك بين أصحابه. وأكثرهم على أنه لا يغسل. وقد احتج من قال بغسله بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله. فقالت زوجته إنه جامع فسمع هيعة فخرج إلى القتال. وقد ذكر خبر حنظلة على وجه آخر. وذلك أنه علل المبادرة إلى غسل سعد بن معاذ بأن قال لئلا تسبقنا الملائكة إلى غسله كما سبقتنا إلى غسل حنظلة. ومن أنكر غسل الشهيد إذا كان جنبًا يجيب عن هذا بأن غسل الملائكة لا يسقط ما تعبدنا نحن به من الغسل. فلو كان غسله واجبًا لأمرنا به ... كأن الشهادة تغني عن الغسل جملة. وكأنها تنافيه فلا يثبت الغسل كما لا تغتسل الحائض إذا احتلمت وكما لا يطهر الشهيد للشهادة الطهارة الصغرى.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 18, 2017 7:24 pm