منتدى كمال للعلوم العربية والإسلامية

يهتم بالعلوم العربية الأزهرية والعلوم الإسلامية عموما


    سنن الصلاة عند الشافعية

    شاطر

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 96
    نقاط : 252
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    سنن الصلاة عند الشافعية

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في السبت ديسمبر 02, 2017 10:07 pm

    السَّنة:
    هي ما يطلب من الإنسان فعله على غير سبيل الحتم، بحيث يثاب المسلم على فعله ولا يعاقب على تركه.
    وللصلاة أركان وشروط لا بد من فعلها على سبيل الإلزام أو الحتم، كي تصح الصلاة، وقد ذكرناها فيما سبق.
    وللصلاة أيضاً سنن يطلب من المصلي فعلها، ولكن لا على سبيل الحتم، بحيث يزداد ثواب الصلاة بفعلها ولا عقاب على تركها. وهذه السنن تؤدى في أثنائها، وسنن تؤدى عقبها.
    (أ) السنن التي تؤدي قبل الصلاة:
    وهي لا تزيد على الأمور الثلاثة التالية:
    الأول ـ الأذان: قد مر تعريفه وبيان دليله وشروطه وما يتعلق بذلك.
    الثاني ـ الإقامة: وقد مر أيضاً تعريفها وبيان شروطها والفرق بينها وبين الآذان.

    الثالث ـ اتخاذ سترة أمامه: تحول بينه وبين المارين، كجدار، وعموم، وعصا، أو كان يبسط أمامه مصلى كسجادة ونحوها. فإذ لم يجد خط خطاً.
    روى البخاري (472)، ومسلم (501)، عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، كان يفعل ذلك في السفر.
    [الحربة: رمح قصير عريض النصل. بين يديه: قدامه].
    والأفضل أن تكون السترة قريبة من موضع سجوده، فقد روى البخاري (474)، ومسلم (508)، عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - كان بين مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الجذار ممر الشاة.
    [مصلى: موضع السجود. ممر الشاة: سعة ما تمر منه الشاة].

    (ب) السنن التي تؤدى أثناء الصلاة:
    وهي أيضاً تنقسم إلى قسمين: أبعاض، وهيئات.
    (فالأبعاض) كل ما يجبر تركه بسجود السهو في آخر الصلاة. (والهيئات) كل ما لا يجبر تركه بسجود السهو. وسنشرح سجود السهو وما يتعلق به من أبحاث آخر الكلام عن أعمال الصلاة.
    ونبدأ بتعداد أبعاض الصلاة أولاً، ثم هيئاتها ثانياُ.
    * الأبعاض:
    1ـ التشهد الأول:
    ويقصد به التشهد في الجلوس الذي لا يعقبه سلام، وهو الجلوس

    الذي يكون على رأس ركعتين في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فيسن التشهد فيه.

    جاء في حديث المسيء صلاته عند أبي داود (1173) ومسلم (570) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين. (أي تعويضاً عن التشهد الأول الذي تركه بترك الجلوس له، فلو كان ركناً لاضطر إلى الإتيان به، ولم ينجبر تركه بسجود السهو).
    2ـ الصلاة على النبي عقب التشهد الأول.
    هي أيضا سنة يجبر تركها بالسجود.
    3ـ الجلوس للتشهد الأول:
    أي فهي إذا ثلاث سنن مستقلة: سنة الجلوس، وسنة التشهد فيه، ثم سنة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    4ـ الصلاة على آل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد الأخير الذي هو ركن:
    أي يسن عند أداء ركن التشهد في الجلسة الأخيرة، وركن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، الصلاة على آل النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما مر معك من الصيغة الكاملة للصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    5ـ القنوت عند الاعتدال من الركعة الثانية في صلاة الفجر، وفي آخر ركعة من الوتر في النصف الثاني من رمضان، وفي اعتدال الركعة الأخيرة من أي صلاة بالنسبة لقنوت النازلة:

    روى أحمد وغيره، عن أنس - رضي الله عنه - قال: "ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا".
    وروى البخاري (956)، ومسلم (677)، عن أنس - رضي الله عنه -، قد سئل: أقنت النبي - صلى الله عليه وسلم - الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: أوقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيراً.
    [ينظر البيهقي في الصبح وفي قنوات الوتر].
    وتؤدي سنة القنوت بأن يثني المصلي على الله تعالى ويدعوه بأي لفظ شاء كأن يقول: "اللهم أغفر لي يا غفور" ولكن الكمال في أدائها يكون بالتزام الدعاء الوارد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.
    روى أبو داود (1425) عن الحسن بن على - رضي الله عنه - قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك في فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضي عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت" ويسن للإمام أن يأتي به بصيغة الجمع.
    قال الترمذي (464): هذا حديث حسن وقال: ولا نعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قي القنوات في الوتر شيئاً أحسن منه.
    وعند أبي داود (1428) أن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أمهم ـ يعني في رمضان ـ وكان يقنت في الصنف الأخر من رمضان.
    وروى الحاكم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، رفع يديه يدعو بهذا الدعاء: " اللهم أهدني فيمن هديت ... ".

    واستحب العلماء أن يزاد فيه: فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهم ربنا ونتوب إليك، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. للأخبار الصحيحة في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الدعاء والذكر.
    [مغني المحتاج (1/ 166 - 167)].
    ويسنّ أن يرفع يديه أثناء هذا القنوت، ويجعل بطنها لجهة السماء.

    الهيئات:
    وقد ذكرنا أن الهيئات هي: سنن الصلاة التي إن تركها المصلي لم يُسنَّ جبرها بسجود السهو، بخلاف الأبعاض. والهيئات تتلخص فيما يلي:
    1 - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع والرفع منه: وكيفية أداء هذه السنَّة: أن يرفع كفيه مستقبلاً بهما القبلة، منشورتي الأصابع، محاذياً بإبهاميه لشحمتي الأذنين، على أن تكون كفَّاه مكشوفتين.
    روي البخاري (705)، ومسلم (390)، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر، حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثله وقال: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود.

    2 - وضع يده اليمنى على ظهر يده اليسرى، وذلك في الوقوف:
    وكيفية ذلك: أن يضع يده اليمنى على ظهر كف ورسغ اليسرى، ويقبض على اليسرى بأصبع يده اليمنى، ويكون محل ذلك تحت صدره وفوق سرَّته.
    لخبر مسلم (401)، عن وائل بن حُجْر رضي الله عنه: أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين دخل في الصلاة ... ثم وضع يده اليمنى على اليسرى.
    وعند النسائي (2/ 126): ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد.
    3 - النظر إلى موضع السجود:
    فيكره أن يتوزع نظره فيما حوله، أو أن ينظر إلى الأعلى أو إلى شئ أمامه حتى ولو كان الكعبة، بل يُسنُّ أن يجعل نظره الدائم إلى موضع سجوده، إلا عند التشهد، فليجعل نظره إلى سبابته التي يشير بها عند التشهد.
    دليل ذلك: اتباع فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    4 - افتتاح الصلاة بعد التكبير بقراءة التوجه:
    ولفظه، ما رواه مسلم (771)، عن علي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان أذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين".

    [وجهت وجهي: قصدت بعبادتي. فطر: ابتدأ خلقها. حنيفاً: مائلاً إلى الدين الحق. نسكي: عبادتي وما أتقرب به إلى الله تعالى].

    مكان استحباب التوجه:
    تستحب قراءة التوجه في افتتاح المفروضة والنافلة، للمنفرد وللإمام والمأموم، بشرط أن لا يبدأ بقراءة الفاتحة بعد، فإن بدأ بها- وقد علمت أن البسملة جزء منها- أو بالتعوذ، فاتت سنية قراءة التوجه، فلا ينبغي أن يعود إليه ولو كان ناسياً.
    ولا تستحب قراءة التوجه في صلاة الجنازة، ولا في صلاة الفريضة إذا ضاق وقتها، بحيث خشي إن اشتغل بقراءة التوجه أن يخرج الوقت.
    5 - الاستعاذة بعد التوجه:
    وهي أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يبدأ بها قراءة الفتاحة، فإذا شرع في قراءة الفاتحة قبل أن يستعيذ، فاتت الاستعاذة وكره أن يعود إليها.
    لقوله سبحانه: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98].
    6 - الجهر بالقراءة في موضعه والإسراء في موضعه:
    والمواضع التي يسنّ فيها الجهر بالقراءة هي: ركعتا صلاة الفجر، والركعتان الأوليتان من المغرب والعشاء، وصلاة الجمعة، والعيدين، وخسوف القمر، وصلاة الاستسقاء، والتراويح، ووتر رمضان، كل ذلك بالنسبة للإمام والمنفرد فقط. ويسنّ الإسرار فيما عدا ذلك.
    دلّ على ذلك أحاديث منها:

    - ما روى البخاري (735)، ومسلم (463)، عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ المغرب بالطور.

    - ما رواه البخاري (733)، ومسلم (464)، عن البراء - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ: "والتين والزيتون" في العشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، أو قراءة.
    - ما رواه البخاري (739)، ومسلم (449)، من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - في حضور الجن واستماعهم القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه: وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له.
    روى البخاري (745)؛ ومسلم (451)، عن أبي قتادة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بأمِّ الكتاب وسورة معها في الركعتين الأُّوْلَيَيْنِ من صلاة الظهر وصلاة العصر. وفي رواية: وهكذا يفعل في الصبح. مع ما سبق من أحاديث الجهر بالقراءة.
    وروى أبو داود (823و824)؛ والنسائي (2/ 141) وغيرهما، عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: كنا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم" قال: قلنا يا رسول الله، أي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". وفي رواية: "فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن". وفي حال عدم سماعه الإمام تعتبر الصلاة كأنها سرية في حقه.
    فهذه الأحاديث تدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بقراءته بحيث يسمعها من حضر.

    ودل على السر في غير ما ذُكر، ما رواه البخاري (713)، عن خبّاب - رضي الله عنه -، وقد سأله سائلٌ: أكانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بمَ كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضْطِرابِ لِحْيَتهِ.
    روى البخاري (738)؛ ومسلم (396)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم.
    ولم ينقل الصحابي رضي الله عنهم الجهر في غير تلك المواضع.
    وستأتي أدلة الصلوات الخاصة في مواضعها.
    ويتوسط في النفل المطلق في الليل بين السر والجهر، قال تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً} [الإسراء: 10]. والمراد صلاة الليل.
    7 - التأمين عند انتهاء الفاتحة:
    وهو أن يتبع قوله تعالى: {ولا الضالين} بكلمة "أمين".
    والتأمين سنّة لكل مصلِّ في كل صلاة، يجهر بها في الجهرية، ويسرّ بها في السرية، ويجهر بها المأموم تبعاً للإمام. ومعنى آمين: استجب يارب.
    وروى البخاري (748)، ومسلم (410)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قال أحدكم - وفي رواية عند مسلم: في الصلاة - آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه".

    وروى البخاري (747)، ومسلم (410)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
    روى أبو داود (934)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تلا: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول.
    وزاد ابن ماجه (853): فيرتج بها المسجد.
    8 - قراءة شئ من القرآن بعد الفاتحة:
    وتتحقق السنة بقراءة سورة من القرآن مهما قصرت، أو بقراءة ثلاثة آيات متواليات.
    ومكان استحبابها الركعتان الأوليتان فقط من كل صلاة، بالنسبة للإمام، والمنفرد مطلقاً. وبالنسبة للمقتدي أيضاً في الصلاة السرّية، أو حيث يكون بعيداً لا يسمع قراءة الأمام.
    ويسن أن يقرأ في الصبح والظهر من طوال المفصل، كالحجرات، والرحمن، وفي العصر والعشاء، من أواسطه، كالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وفي المغرب من قصاره، كقل هو الله أحد. لحديث النسائي (2/ 167)، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فلان، فصلينا وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأولين من الظهر ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين.

    ويسنّ أيضاً أن يقرأ في صبح الجمعة: {الم تنزيل} السجدة في الركعة الأولى، و {هل أتى} في الركعة الثانية.
    لما روى البخاري (851)، ومسلم (880)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الجمعة، في صلاة الفجر: {الم تنزيل} - السجدة - و {هل أتى على الإنسان}.
    ويسن تطويل الركعة الأولى على الثانية في جميع الصلوات، لما رواه البخاري (725)، ومسلم (451): كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ... يطول في الأولى ويقصر في الثانية.
    9 - التكبير عند الانتقالات:
    عرفنا أن تكبيرة الإحرام بالصلاة ركن لا تصح بدونه.
    فإذا دَخلتَ في الصلاة وكبرتَ تكبيرة الإحرام، يسنّ لك أن تكبّر مثلها عند كل انتقال من الانتقالات، ما عدا الرفع من الركوع فيسن بدلاً من التكبير قول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، لما رواه البخاري (756)، ومسلم (392)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة، يكبر حين يقوم ويكبر حين يركع، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يقيم صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد" ثم يكبر حين يهوي للسجود، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
    10 - التسبيح عند الركوع والسجود:
    وكيفية ذلك أن يقول إذا أستقر راكعاً: سبحان ربي العظيم

    وبحمده (ثلاث مرات). وأن يقول إذا استقر ساجداً: سبحان ربي الأعلى وبحمده (ثلاث مرات). وهذا أدنى درجات الكمال، فإن زاد على الثلاث كان أفضل.
    [أنظر الركوع في الأركان].
    11 - وضع اليدين على أول الفخذين في جلستي التشهد:
    وكيفية أن يبسط اليسرى، مع ضم الأصابع إلى بعضها، بحيث تكون رؤوس الأصابع مسامتة لأول الركبة، ويقبض يده اليمنى إلا الأصبع المسبِّحة، وهي التي تسمى السبَّابة، فإنه يمدها منخفضة عند أول التشهُّد حتى إذا وصل إلى قوله: إلا الله، أشار بها، إلى التوحيد ورفعها. ويسن أن تبقى مرفوعة دون أن يحركها إلى آخر الصلاة.
    روى مسلم (580) عن ابن عمر رضي الله عنهما- في صفة جلوسه - صلى الله عليه وسلم - قال: كان إذا جلس في الصلاة، وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى.
    12 - التورّك في الجلسة الأخيرة والافتراش في غيرها:
    التورُّك: هو أن يجلس المصلي على وركه الأيسر، وأن ينصب رجله اليمنى، ويخرج الرجل اليسرى من تحتها. والورك: هو الفخذ.
    والافتراش هو أن يجلس المصلي على كعب رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى على رؤوس أصابعها.
    روى البخاري (794) من حديث أبي حُمَيد الساعدي - رضي الله عنه - قال: أنا كنت أحفَظَكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... وفيه: فإذا جَلَسَ

    في الرَّكْعَتَيْنِ جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرةِ قدَّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقْعَدَتِهِ.
    [قدم رجله اليسرى: أي من تحت رجله اليمنى منصوبة].
    وعند مسلم (579)، عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذيه وساقه، وفرض قدمه اليمنى.
    13 - الصلوات الإبراهيمية ثم الدعاء بعد التشهد الأخير:
    عرفت فيما مضى أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ركن في جلسة التشهد الأخيرة، ويتأدى الركن بأي صيغة من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    أما اختيار الصلوات الإبراهيمية - وقد مضى ذكر نصَّها- فسنَّة. فإذا أتمها يسن أن يستعيذ من عذاب القبر، ومن عذاب النار، أو من عذاب النار، أو أن يدعو لنفسه بما شاء؛ على أن لا يطيل ذلك قدر قراءة التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    وروى مسلم (558) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال".
    14 - التسليمة الثانية:
    ذكرنا أن التسليمة الأولى ركن، وهي التي تكون مع الالتفات إلى جهة اليمين.

    فإذا فعلها فقد انتهت أركان الصلاة وواجباتها، إلا أنه يسنَّ أن يضيف إليها تسليمة أخرى، ملتفتاً إلى جهة اليسار.
    روى مسلم (582) عن سعد - رضي الله عنه - قال: كنت أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أري بياض خده.
    وروى أبو داود (996) وغيره، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسلّم عن يمينه وعن شماله حتى يُرى بياض خده: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله". قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح.
    15 - التزام الخشوع في سائر الصلاة:
    معنى الخشوع: الخشوع يقظة القلب إلى ما يردّده اللسان من القراءات والأذكار والأدعية، بأن يتدبر كل ذلك ويتفاعل مع معانيه، ويشعر أنه يناجي ربه سبحانه وتعالى.
    والصحيح أن الخشوع- بهذا المعنى- في جزء من أجزاء الصلاة أمرٌ لا بد منه؛ بحيث إذا كانت الغفلة مطبقة على صلاته كلها من أولها إلى آخرها، كانت صلاة باطلة.
    أما استمرار الخشوع في سائر أجزاء الصلاة فهو سنَّة مكمّلة.
    روى مسلم (228)، عن عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله".
    [يؤت: يعمل. كبيرة: ذنباً كبيراً كالتعامل بالربا وشرب الخمر

    ونحو ذلك. وذلك الدهر كله: أي تكفير الذنوب الصغيرة بسبب الصلاة مستمر طوال العمر لتكرر الصلاة كل يوم].
    فهذه السنن كلها تسمى هيئات، فلو ترك المصلي شيئاً منها لم يسنّ جبره بالسجود للسهو، بخلاف القسم الأول وهو ما يسمى أبعاضاَ، فإن المصلي إذا ترك شيئاً منه يسن له أن يعوِّضه بالسجود للسهو.


    (ج) السنن التي تؤدي عقب كل صلاة:
    ويسنّ عقب الصلاة الأمور التالية:
    1 - الاستغفار والذكر والدعاء:
    وروى مسلم (591)، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً، وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام".
    ولا مانع من رفع الصوت بذلك للإمام إذا أراد التعليم، فإذا تعلموا خفض، فقد روى البخاري (805)؛ ومسلم (583)، عن ابن عباس رضي الله عنهما أخبر: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    وروى مسلم (596)، عن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وثلاث وثلاثون تكبيرة". ومن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (597) "وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".

    [خطاياه: الذنوب الصغيرة. زبد البحر: ما يعلو على وجه مائه عند هيجانه وتموجه والمراد: مهما كانت كثيرة].
    وروى الترمذي (3470) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من قال دبر صلاة الفجر وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان".
    وروى أبو داود (1522)، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده وقال: "يا معاذ، والله إني أحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
    وهناك أدعية وأذكار كثيرة وردت عقب الصلوات عامة، وعقب كل صلاة خاصة، تعرف من كتب السنة وكتب الأذكار.

    2 - أن ينتقل للنفل من موضع فرضه، لكثر مواضع السجود، فإنها تشهد له:
    والأفضل إن صلى في المسجد أن ينتقل إلى بيته، ودليل ذلك ما رواه البخاري (698)؛ ومسلم (781)، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". وروى مسلم (778) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل من صلاته خيراً".

    3 - وإذا صلوا في المسجد، وكان وراءهم نساء، فإنه يسن لهم أن يمكثوا في أماكنهم حتى ينصرفن لأن الاختلاط بهن مظنة الفساد:
    روى البخاري (828)، عن أم سلمة رضي الله عنها: أن النساء في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام الرجال. وفي رواية عنها (832) قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيراً قبل أن يقوم قال ابن شهاب الزهري أحد الرواة: نرى - والله أعلم - أن ذلك كان لينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال.

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 96
    نقاط : 252
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    رد: سنن الصلاة عند الشافعية

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في السبت ديسمبر 02, 2017 10:15 pm

    ما حكم التسبيح في الركوع والسجود؟ وما الحكم لو نسي المصلي فقال سبحان ربي الأعلى في الركوع، أو العكس؟ وما الحكم لو تدارك ذلك قبل القيام؟
    مذهب جمهور أهل العلم أن تسبيح الركوع والسجود سنة غير واجب، فمن تركه عمدا أو سهوا، وكذا لو أبدل ذكر الركوع بذكر السجود فصلاته صحيحة ولا شيء عليه، والمشهور من مذهب أحمد وجوب تسبيح الركوع والسجود؛ لحديث عقبة بن عامر: لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم. ولما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم.

    قال في حاشية الروض: فروى الخمسة وصححه الترمذي من حديث حذيفة، أنه كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم، فدل على مشروعية التسبيح في الركوع، وهو مفسر لحديث عقبة، وأجمعوا على سنيته وذهب أحمد وجمهور أهل الحديث إلى وجوبه للأمر به، وقال النووي وغيره: تسبيح الركوع والسجود وسؤال المغفرة والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام كله سنة، ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم وصلاته صحيحة، سواء تركه عمدا أو سهوا، لكن يكره تركه عمدا، وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وقال أبو حامد: هو قول العلماء عامة، لحديث المسيء، والأحاديث الواردة في الأذكار محمولة على الاستحباب جمعا بين الأخبار. انتهى، وتفريعا على القول بالوجوب الذي هو المعتمد عند الحنابلة فإن الواجب مرة وأدنى الكمال ثلاث، وأكمله في حق الإمام عشر، قال في الروض: والواجب مرة وأدنى الكمال ثلاث وأعلاه للإمام عشر، قال أحمد: جاء عن الحسن، التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث. انتهى، وحكم واجبات الصلاة عند الحنابلة معلوم، وهو أن من تعمد ترك شيء منها بطلت صلاته، ومن تركه نسيانا فإنه يجبره بسجود السهو، ومن أبدل ذكر الركوع بذكر السجود فإنه يسجد للسهو كذلك لتركه الواجب.
    وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله: من قال سبحان ربي الأعلى في الركوع، وقال سبحان ربي العظيم في السجود سهوا منه، هل يسجد للسهو؟ فأجاب بقوله: : نعم، يسجد للسهو؛ لأن الواجب أن يقول سبحان ربي العظيم في الركوع، والواجب أن يقول في السجود سبحان ربي الأعلى، فإذا سها يسجد للسهو، إذا قال سبحان ربي العظيم في السجود وسبحان ربي الأعلى في الركوع ساهيا فإنه يسجد للسهو قبل أن يسلم سجدتين. انتهى
    وإذا ذكر فتدارك وأتى بالواجب قبل الرفع من الركوع أو السجود لم يكن سجود السهو واجبا عليه، وإنما يشرع في حقه استحبابا عند الحنابلة؛ لأنه أتى بذكر مشروع في غير موضعه.
    قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: إذا أتى بقول مشروع في غير موضعه، فإنه يُسنُّ له أن يسجد للسَّهو، كما لو قال: «سبحان رَبِّيَ الأَعلى» في الرُّكوع، ثم ذَكَرَ فقال: سبحان ربي العظيم، فهنا أتى بقول مشروع وهو «سبحان رَبِّيَ الأَعلى» ، لكن «سبحان رَبِّي الأعلى» مشروع في السُّجود، فإذا أتى به في الرُّكوع قلنا: إنك أتيت بقول مشروع في غير موضعه، فالسُّجود في حقِّكَ سُنَّة. انتهى.
    وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى أن الواجب هو جنس التسبيح في الركوع والسجود ولا يتعين لفظ بعينه، وعليه؛ فإذا أبدل ذكر الركوع بذكر السجود لم يلزمه شيء على قياس قول الشيخ، وهذا طرف من كلامه في هذه المسألة نسوقه للفائدة.
    يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ. فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ ودَاوُد وَغَيْرِهِمْ وُجُوبُهُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابُهُ. وَالْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَتَعَيَّنُ " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " و " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " لِلْأَمْرِ بِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ يَذْكُرُ بَعْضَ الْأَذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ. وَالْأَقْوَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّسْبِيحُ إمَّا بِلَفْظِ " سُبْحَانَ " وَإِمَّا بِلَفْظِ " سُبْحَانَك " وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ سَمَّاهَا " تَسْبِيحًا " فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِيهَا وَقَدْ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَمَا سَمَّاهَا اللَّهُ " قُرْآنًا " وَقَدْ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ الْقِيَامُ. وَسَمَّاهَا " قِيَامًا " و " سُجُودًا " و " رُكُوعًا " وَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ عِلَّةَ ذَلِكَ وَمَحَلَّهُ.... وَكَذَلِكَ الْمَنْقُولُ عَنْ مالك إنَّمَا هُوَ كَرَاهَةُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ " لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا فَرْضٌ؛ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَالِكًا أَنْكَر أَنْ تَكُونَ فَرْضًا وَاجِبًا. وَهَذَا قَوِيٌّ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ جِنْسِ التَّسْبِيحِ فَإِنَّ أَدِلَّةَ وُجُوبِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى التَّسْبِيحِ بِأَلْفَاظِ مُتَنَوِّعَةٍ. وَقَوْلُهُ " اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ وَفِي سُجُودِكُمْ " يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا مَحَلٌّ لِامْتِثَالِ هَذَا الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَّا هِيَ مَعَ مَا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ غَيْرَهَا. وَالْجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيْ تَسْبِيحٍ بَعِيد بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ. فَإِنَّ هَذِهِ أَنْوَاعٌ وَالتَّسْبِيحَ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ صِيغَتَيْنِ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: {أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ أَرْبَعٌ وَهُنَّ مِنْ الْقُرْآنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ} . فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ جُعِلَ التَّسْبِيحُ نَوْعًا وَاحِدًا ف " سُبْحَانَ اللَّهِ " و " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " سَوَاءٌ وَإِنْ جُعِلَ مُتَفَاضِلًا ف " سُبْحَانَ اللَّهِ " أَفْضَلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} أَمْرٌ بِتَسْبِيحِ رَبِّهِ لَيْسَ أَمْرًا بِصِيغَةِ مُعَيَّنَةٍ. فَإِذَا قَالَ " سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ " " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك " فَقَدْ سَبَّحَ رَبَّهُ الْأَعْلَى وَالْعَظِيمَ. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَظِيمُ. انتهى بتصرف.


    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 96
    نقاط : 252
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    رد: سنن الصلاة عند الشافعية

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في السبت ديسمبر 02, 2017 10:53 pm

    حكم التسليمة الثانية
    ذهَبَ عامَّة أهلُ العِلْمِ إلى وجوب التَّسليمة الأُولى فقط، ومنهم الأئمَّة الأربعة، وفي روايةٍ عندَ الحنابِلة أنَّه يَجِبُ التّسليمتان. والرَّاجحُ قول الأكثرين في عدم وجوب التَّسليمة الثانية، وأنَّها مندوبةٌ فَقَطْ؛ لِما صحَّ عنِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه اجتزأ بتسليمةٍ واحدة. فقد روى أحمدُ عن عائشة رضي الله عنها في صِفة صلاة وِتْر رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قالتْ: "... ثُمَّ يَجلس فيتشهَّد ويدعو، ثُمَّ يُسلّم تسليمةً واحدة: السَّلام عليْكم، يَرفع بها صوتَه حتَّى يوقظَنا". وكون النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد تحلَّل من الصَّلاة بتسليمةٍ واحدة يدلّ دلالة واضحة على عدَمِ وجوب التَّسليمة الثَّانية عن اليسار، فلو كان تَحليل الصلاة لا يتمُّ إلا بتَسليمَتَيْنِ اثنتَيْنِ لَما اكتفى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِالخروج من الصَّلاة بتسليمةٍ واحدة؛ قال النَّووي في "المجموع": "مذهبُنا الواجب تسليمةٌ واحدة ولا تَجِبُ الثَّانية، وبه قال جُمهور العُلماء أو كلُّهم، قال ابْنُ المنذر: أجْمع العُلماءُ على أنَّ صلاةَ مَنِ اقتصر على تسليمةٍ واحدة جائزةٌ، وحكى الطَّحاوي والقاضى أبو الطَّيّب وآخَرونَ عنِ الحَسَن بْن صالحٍ أنَّه أوجَبَ التَّسليمَتَيْن جَميعًا، وهي روايةٌ عن أحْمد، وبِهما قال بعضُ أصحاب مالك، والله أعلم". وقال ابنُ قُدامة في "المغني": "الواجبُ تسليمةٌ واحدةٌ, والثَّانية سُنَّة، قال ابنُ المُنذر: أجْمع كُلُّ مَن أحفَظُ عنْهُ من أهل العِلْمِ , أنَّ صلاةَ منِ اقْتَصر على تسليمةٍ واحدة, جائزةٌ, وقال القاضي: فيه روايةٌ أخرى؛ أنَّ الثَّانية واجبة. وقال: هي أصحّ لحديث جابر بن سَمرة, ولأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يفعلُها ويُداوِم عليْها, ولأنَّها عِبادة لها تَحلّلان, فكانا واجبَيْنِ, كتحلّلي الحج, ولأنَّها إحدى التَّسليمتَيْنِ فكانتْ واجبة كالأولى، والصَّحيح ما ذكرناه، وليس نصُّ أحْمد بصريحٍ بوجوبِ التَّسليمتَيْن, إنَّما قال: التسليمتانِ أصحُّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحديثُ ابْنِ مَسعودٍ وغيْره أذهبُ إليه، ويَجوزُ أن يذهب إليه في المشروعيّة والاستِحْباب دون الإيجاب كما ذهب إلى ذلك غيرُه, وقد دلَّ عليه قولُه في روايةٍ مِهنا: أعجب إليَّ التسليمتان، ولأنَّ عائشة, وسلمة بن الأكوع, وسهل بن سعد قد رَوَوْا "أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم كان يسلّم تسليمةً واحدة"، وكان المُهاجِرون يُسَلِّمون تَسليمةً واحدةً، ففيما ذَكَرْناه جَمعٌ بين الأخبار وأقوالِ الصَّحابة رضي الله عنهم في أن يكونَ المشروع والمسنون تسليمتَيْن, والواجب واحدة, وقد دلَّ على صحَّة هذا الإجْماعُ الذي حكاه ابنُ المنذر فلا معْدل عنه, وفعلُ النَّبيّ صلَّى اللَّه عليْه وسلَّم يُحْمَل على المشروعيَّة والسّنَّة; فإنَّ أكثر أفعال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الصلاة مسنونةٌ غيرُ واجبة, فلا يمنع حَمل فعلِه لِهذه التَّسليمة على السّنَّة عند قيام الدَّليل عليها, والله أعلم، ولأنَّ التَّسليمة الواحدة يخرجُ بِها من الصَّلاة, فلَمْ يَجِبْ عليه شَيْءٌ آخَر فيها, ولأنَّ هذه صلاة, فتُجْزِئه فيها تسليمةٌ واحدة" اهـ،، والله أعلم.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 4:26 am