منتدى كمال للعلوم العربية والإسلامية

يهتم بالعلوم العربية الأزهرية والعلوم الإسلامية عموما


    الحكم الوضعي والفرق بينه وبين الحكم التكليفي

    شاطر

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 107
    نقاط : 283
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    الحكم الوضعي والفرق بينه وبين الحكم التكليفي

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في الأحد ديسمبر 17, 2017 12:09 am


    الحكم الشرعي كما يعرفه الأصوليون (علماء أصول الفقه) هو: (خطاب الله تعالى، المتعلق بأفعال المكلفين، اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً). بمعنى: ما اقتضى الشرع فعله أو تركه، أو التخيير بين الفعل والترك، وهو: الأحكام التكليفية وفق أقسام خطاب التكليف والأحكام الوضعية في خطاب الوضع. ومعنى الشرع: "ما شرعه الله على لسان نبيه من الأحكام" والأحكام الشرعية إما تكليف وإما وضع، فتتضمن: الفرض، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح، والصحيح، والباطل.
    أقسام الحكم الشرعي[عدل]
    ينقسم الحكم الشرعي عند علماء أصول الفقه الإسلامي إلى قسمين هما: وضعي، وتكليفي.

    الحكم التكليفي.
    الحكم الوضعي.
    الحكم التكليفي.
    الحكم التكليفي هو: الحكم الشرعي المتعلق بأفعال الإنسان والموجه لسلوكه مباشرة في مختلف جوانب حياته الشخصية والعبادية والإجتماعية، التي عالجتها الشريعة ونظمتها جميعا، كحرمة شرب الخمر والسرقة ووجوب الصلاة والصيام.

    أنواع الحكم التكليفي[عدل]
    ينقسم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام:

    1- الواجب (الفرض): هو ما طلب الشارع من المكلف فعله على سبيل الإلزام فيثاب فاعله ويعاقب تاركه وينقسم إلى نوعين:
    أ- عيني: وهو: ما طلب الشارع فعله من المكلف بعينه.
    ب- كفائي: هو ما طلب الشارع فعله من جماعة مكلفين، فلو قام به بعضهم سقط عن الآخرين مثل: صلاة الجنازة.
    2- المندوب هو ما طلب الشارع من المكلف فعله من غير إلزام فيثاب فاعله و لا يعاقب تاركه.
    3- المحرم هو: ما طلب الشارع من المكلف تركه على سبيل الإلزام فيثاب تاركه و يعاقب فاعله.
    4- المكروه هو: ما طلب الشارع من المكلف تركه من غير إلزام فيثاب تاركه و لا يعاقب فاعله.
    5- المباح هو: ما خير الشارع المكلف بين فعله أو تركه دون مدح أو ذم.
    شروط التكليف:
    من أهم شروط التكليف:

    1- علم المكلف بما كلف به.
    2- القدرة على فهم خطاب الشرع.
    3- العقل بمعنى: عدم الجنون
    4- التمييز
    5- البلوغ وهو: "الوصول إلى حد التكليف" بإحدى علامات البلوغ.
    6- الإستطاعة والقدرة على ما كلف به.
    7- الاختيار بمعنى: عدم الإكراه.

    عوارض التكليف[عدل]
    عوارض طبيعية: الحيض ، الصغر ، النوم ، المرض ، الصرع...

    عوارض مكتسبة: الحمل ، الجهل ، السفه، السفر ....
    الحكم الوضعي:

    هو ما اقتضى وضع شيء سبباً لشيء، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو وصفه بالصحة والفساد، أو هو خطاب الله المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو كون الشيء صحيحاً أو فاسداً.



    والمعنى الذي يدور معه تعريف الحكم الوضعي أن الشارع وضع علامات ودلالات على ثبوت الأحكام الشرعية وجعلها روابط لها وشروطاً لتحققها وموانع منها، ذلك لأن الأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي بوجود الموانع، أو انتفاء الأسباب والشروط.



    الفرق بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي:

    هناك جملة من الفروق بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي بينها العلماء والأصوليون، والمقام ليس مناسباً لتفصيل ذلك؛ طالما أننا في إطار مدخل منهجي للشريعة والفقه وليس في إطار علم أصول الفقه، وأبرز ما يمكن إجماله من فروق بين الحكمين هو أن الحكم التكليفي مرتبط بفعل المكلف وقدرته وعلمه، بخلاف الحكم الوضعي فإنه في الغالب لا يكون مرتبطاً بفعل المكلف وقدرته وعلمه كما سيتبين لاحقاً إلا في بعض الحالات التي سنقف عليها.



    أولاً: السبب:

    السبب في اللغة هو كل ما يتوصل به إلى المقصود، ولذلك سمي الطريق والحبل سبباً؛ لأن الطريق موصل إلى المكان المقصود، والحبل موصل إلى الماء، وفي الاصطلاح عرف السبب تعريفات متعددة، ومن باب التيسير في إدراك المفاهيم الشرعية يمكن تعريفه: بأنه ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.



    والسبب بهذا الاعتبار ووفقاً للمنهج التحليلي، هو وصف ظاهر منضبط جعله الشارع علامة على الحكم، وربط وجود الحكم بوجوده، وعدم الحكم بعدمه، فيلزم من وجود السبب وجود الحكم، ويلزم من عدم السبب عدم الحكم.



    يقسم السبب تقسيمات متعددة باعتبارات مختلفة، وما يهمنا في هذا المقام الوقوف على قسمي السبب من حيث تعلقه بفعل المكلف، فقد ذكر العلماء أن السبب ينقسم على قسمين بهذا الاعتبار:

    الأول: سبب ليس من فعل المكلف: وهذا النوع قد جعله الله أمارة على وجود الحكم، ومن أمثلته:

    • الوقت سبب للصلاة.

    • الاضطرار سبب لأكل الميتة.

    • العنت مع القدرة على تكاليف النكاح سبب لوجوبه.

    • الموت سبب للميراث.

    • المرض سبب للإفطار.



    الثاني: سبب من فعل المكلف: وهو فعل المكلف الذي رتب الشارع عليه حكمه، ومن أمثلته:

    • السفر سبب للإفطار.

    • عقد النكاح سبب لحل البضع.

    • البيع سبب لترتب الملك.

    • القتل العمد سبب للقصاص.

    • الزنى سبب للحد.

    • السرقة سبب للقطع.



    ثانياً: الشرط:

    وهو في اللغة العلامة، أو هو إلزام شيء والتزامه، وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود. مثاله الطهارة من شروط الصلاة: فإنه يلزم من عدم الطهارة عدم الحكم وهو صحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وهو الطهارة وجود الحكم وهي الصلاة، فإن المكلف يتطهر وقد يصلي أو لا يصلي، لهذا الشرط يرتبط بالحكم من حيث العدم لزوماً وليس من حيث الوجود.



    والأصوليون يتكلمون في الغالب عن تقسيمات الشرط، وهي كثيرة، ولكن المهم في هذا السياق الحديث عن الشرط الشرعي وهو المقصود من بحث الشرط في علم الأصول، ومقصودنا منه أن الشارع هو الذي جعله شرطاً للأحكام: ومثاله:

    • اشتراط الطهارة لصحة الصلاة كما تقدم، ومثلها ستر العورة واستقبال القبلة.

    • حولان الحول شرط لوجوب الزكاة.

    • الإحراز شرط لوجوب حد السرقة.

    • الإحصان شرط لوجوب حد الزنى.

    • القدرة على تسليم البيع شرط لترتب الملك.

    • تحقق حياة الوارث وموت المورث شرط لصحة قسمة التركة في الميراث.



    ثالثاً: المانع:

    وهو في اللغة الحائل أو الحاجز بين شيئين، وفي الاصطلاح: ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه الوجود، مثاله:

    • الحدث مانع من الصلاة، فإن الصلاة لا تصح مع وجوده، ولكن عدمه وهو ارتفاعه لا يلزم منه وجود الصلاة، فقد يصلي المكلف وقد لا يصلي.

    • الدين الحال يكون سبباً مانعاً من الزكاة إذا كان الدين مستغرقاً للمال.

    • اختلاف الدين والقتل مانعان من الإرث.



    رابعاً: الصحة:

    وهي في اللغة ضد المرض، وفي الاصطلاح: ما تترتب عليه آثاره المقصودة منه، وهي مرتبطة بالعبادات والمعاملات، أما العبادات، فإن الصحيح منها ما تبرأ منه الذمة ويسقط به الطلب، فلو صلى المكلف الصلاة المكتوبة كاملة شروطها وأركانها، فقد برئت الذمة وسقط الطلب، وأما في المعاملات، فهو ما تترتب عليه آثاره من العقود، والعقد الصحيح لا يوصف بالصحة إلا إذا تمت شروطه وانتفت موانعه، كالقدرة على التسليم والعلم بالثمن والمثمن وغيرها.




    خامساً: الفساد:

    وهو في اللغة ضد الصلاح، وفي الاصطلاح: ما لا تترتب عليه آثاره المقصودة، ويكون في العبادات والمعاملات، فالفاسد من العبادات ما تخلف شرطه أو ركنه، ولذلك لا تبرأ منه الذمة ولا يسقط به الطلب، والفاسد من المعاملات، ما تخلف شرطه وركنه، كبيع المجهول، وغير المقدور على تسليمه، وبيع الغرر.



    الفرق بين السبب والشرط والمانع:
    وفي هذه المسألة خمس نقاط :

    أ - يمكن تعريف كل من السبب ، والشرط ، والمانع ، بما يأتي :

    السبب : ما يلزم من وجوده الوجود ، ومن عدمه العدم ، لذاته .
    الشرط : ما يلزم من عدمه العدم ، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ، لذاته ، وكان خارجًا عن الماهية .
    المانع : ما يلزم من وجوده العدم ، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم ، لذاته .

    ب- لا بد في وجود الحكم الشرعي من توفر ثلاثة أمور :
    أ - وجود الأسباب .
    ب - وجود الشروط .
    جـ - انتفاء الموانع .
    وإذا تخلف أمر من هذه الأمور انتفى الحكم الشرعي ولابد .
    مثال ذلك : وجوب الزكاة .
    سببه : ملك النصاب .
    وشرطه : حولان الحول .
    والمانع منه : وجود الدين .
    فإذا وجد النصاب والحول وانتفى الدين وجب أداء الزكاة .
    ولا تجب الزكاة إذا لم يوجد النصاب أو لم يحل الحول ، أو وجد الدين .


    عدل سابقا من قبل كمال أحمد زكي في الأحد ديسمبر 17, 2017 12:22 am عدل 1 مرات

    كمال أحمد زكي

    المساهمات : 107
    نقاط : 283
    تاريخ التسجيل : 04/07/2017

    رد: الحكم الوضعي والفرق بينه وبين الحكم التكليفي

    مُساهمة من طرف كمال أحمد زكي في الأحد ديسمبر 17, 2017 12:15 am

    معنى الحكم الشرعي عند الأصوليين


    يُعتبَرُ الحُكم الشرعي من أهمِّ المَباحِثِ في علم أصول الفقه؛ ففيه يتمُّ الفرز بين ما هو حلال وما هو حرام، بين ما هو واجب وما هو مُستحَبٌّ، وما إلى ذلك من الأحكام، فالتفريق بين الأحكام يُسهِّل عمليةَ الفهم والاستيعاب لدى الدارس لهذا العلم، ويَجدر التنبيهُ هنا إلى أن هذا الفرز لم يكن عند الصحابة - رضوان الله عليهم - على الشكل الذي سنتعرف عليه في هذا الفصل، إنما كانوا يفهمونه من محضِ طبيعتهم وحسِّهم الإيماني، ولم يقم علماء الأصول بإدراج هذه الأحكام تحت أقسام معيَّنة إلا بعد أن قلَّ فهمُ الناس في أمور الشرع، والتبَسَ الأمرُ عليهِم.



    يُفسَّر الحُكم في اللغة بالفَصلِ؛ يُقال: "حكمتُ بين الخَصمين" إذا فصَلتَ بينهما، وفي التعريف الأصولي هو الخِطابُ الشرعي الخاص بأفعال المكلَّفين[1]؛فقول الله تعالى: ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1] خِطاب شرعيٌّ موجَّه لأفعال المُكلَّفينفيما يتعلق بمُعاملات البيوع والزواج وغيرها من المُعاهَدات، وقد قسَّمه الأصوليُّون إلى صنفين: حكم تكليفيٍّ، وحكم وضعي.



    الحكم التكليفي

    هو ما دعا إليه الشرع وفيه مشقة على المُكلَّفين، وينقسم بدوره إلى خمسة أحكام، هي: الواجب، والمندوب، والمُباح، والمُحرَّم، والمَكروه.



    حكم الواجب:

    يعني الوجوب في اللغة: السقوط؛ قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ [الحج: 36]؛ أي: حتى إذا سقطت الإبل بعد نَحرِها على الأرض، وفي التعريف الأصولي: هو ما أمر به الشرع مِن قبيل الإلزام، فكل ما أمر الله به في شرعه يَستدعي وجوب فعله على المُكلَّفين، ما دام لم يأتِ دليل يُحوِّله إلى حكمٍ آخرَكالمُباح أو المُستحَبِّ، وسيأتي معَنا تفصيل ذلك في فصل آخر بحول الله.



    ومثالنا على الواجب نجده في قول الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الروم: 31]، فالصلاة واجبة على كل مسلم؛ لأن الله أمر جميع المسلمين بإقامتها، وأما حكم ما هو واجب، فيُثاب فاعله الذي امتثَلَ للشرعِ ويأثَمُ تاركه، ونقول "امتِثالاً للشرع"؛ لتِبيان وجوب توفُّر نيَّة التعبد لله؛ بحيث إن الإنسان إذا صام وهو يبتغي بذلك تخفيض وزنه، فإنه لا يُؤجَر؛ لأنه لم ينوِ التعبُّد لله، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هِجرتُه إلى الله ورسوله، فهِجرتُه إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه))[2]، وقال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أيضًا: ((إنك لن تُنفِق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرتَ عليها))[3].



    ويقسم الأصوليُّون الواجب إلى أنواع مختلفة، نذكر منها: الواجب العَيني والكِفائي، والموسَّع والمضيَّق، والمحدَّد والمخيَّر.



    الواجب العيني:

    هو الذي يَلزم كلَّ مسلم بالغ بشخصه فعلُه؛ كإقام الصلاة، فإنها تجب على كل مسلم.



    الواجب الكفائي:

    هو الذي إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ كصلاة الجنازة مثلاً،فإن صلاَّها مسلم واحد سقط الإثم عن باقي المسلمين.



    الواجب الموسَّع:

    هو الذي له وقت أوسع من وقت فعله؛ كالصلاة فإن لها وقتًا واسعًا، فقد يُمكن للمسلم أن يصليها في أول الوقت أو في منتصفه أو في آخره.



    الواجب المضيَّق:

    هو الذي لا يزيد وقته على مدة فعله؛ كصوم شهر رمضان، فإنه لا يُمكن تأخيره.



    الواجب المُحدَّد:

    هو الذي لا يُمكن أن ينوب عنه واجب آخر غيره؛ كشعيرة الحجِّ؛ إذ إن الإنسان غير مخيَّرٍ بين الحج وعبادة واجبة أخرى.



    الواجب المُخيَّر:

    هو الذي ينوب عنه واجب مثله؛ ككفارة اليمين مثلاً، قال الله تعالى في معرض الحديث عنها: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ﴾ [المائدة: 89]، فإذا حلف الإنسان ولم يفِ، يُكفِّر بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتِهم، أو عِتق رقبة، فهو مخيَّر في هذه الأمور الثلاثة، فإن تعذَّر عليه ذلك، فيجب عليه صيام ثلاثة أيام.



    حكم المندوب:

    يعني الندب في اللغة: الدعوة إلى شيء مهم[4]، وفي التعريف الأصولي: هو ما أمر به الشرع على سبيل الأفضلية، فقد يدلُّ عليه الأمر الذي صرفه الدليل من الوجوب إلى الاستِحباب، أو يأتي به فعل من أفعال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ومثالُنا على الأمر نجده في قولالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((صلُّوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال في الثالثة: لمن شاء))[5]، فقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((لمن شاء)) فيه تحويل لأمر ((صلُّوا)) من حكم الوجوب إلى حكم الاستحباب؛ حيث إن الأمر هنا صار يُفيد التخيير، والمثال على الفعل: كان رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يُصلي ركعتين خفيفتَينِ في بيته قبل الصبح[6]، ففعلُه دلَّ على استِحباب صلاة ركعتين خفيفتين قبل صلاة الصبح؛ لأنه يُستحَبُّ لنا الاقتداء بأفعاله؛ قال الله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، ومِن أدلة الاستحباب ترغيب المؤمن في العمل بذكر الثواب والأجر، قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((مَن صلى اثنتي عشرة ركعةً في يوم وليلة، بُني له بهنَّ بيتٌ في الجنة))[7]؛ ركعتين قبل الصبح، وأربع ركعات قبل الظهر وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وحكمه يثاب فاعله الذي امتثَل للشرعِ ولا يأثَمُ تاركه.



    حكم المباح:

    المباح في اللغة: هو المأذون به، يقال: "أباح المؤلف نشر كتابه"، إذا أذِنَ بنَشرِه، وفي التعريف الأصولي: هو ما أمر به الشرع على سبيل التخيير؛ كأكل الطيِّبات مثلاً، فالإنسان مخيَّر في أن يأكل ما أحله الله من الطعام، قال الله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ [المؤمنون: 51]، كما أنه مخيَّر في الصيد، قال الله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ [المائدة: 2]، فقد أفاد أمر الآية ﴿ فَاصْطَادُوا ﴾ إباحة الصيد للحاج في حال ما إذا تحلل من إحرامه، وحكم المُباحلا يُثاب فاعله ولا يأثَمُ تاركه، إلا إذا قصد به التقوِّي على العبادة فإنه يُؤجَر، أما إذا قصد به التقوِّي على معصية، فإنه يأثم، فمثلاً إذا نمتَ باكرًا وقصدت بذلك التقوِّي على قيام الليل، فإنك تُؤجَر على نومك، أما إذا نمت بالنهار قصد السهر في الملاهي الليلية، فإنك تأثم، وقد أدرج علماء الأصول المباح تحت الحكم التكليفي رغم أنه ليس فيه مشقة؛ تجاوزًا وتسهيلاً لضبطه على الطالب.



    حكم المُحرَّم:

    يعني المحَرَّم في اللغة: الممنوع، وفي التعريف الأصولي: هو ما نهى عنه الشرع بشكل إلزامي، فالنهي يفيد التحريم حتى يصرفه دليل إلى الكراهة، وسيأتي معنا تفصيل ذلك في موضعه، وقد يتضمَّن الخبَرُ النهيَ، مثل ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 23]، ففِعلُ "حُرِّمَ" يفيد وجوب ترك ما نُهي عنه، المثال الثاني: قال النبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((لعَن الله آكل الربا وموكلَه...))[8]، وحكمالمُحَرَّم "يُثاب تاركه الذي امتثلَ للشرع ويأثم فاعله"، فمثلاً إذا ترك الإنسان شربَ الخمر طاعة لله، فإنه يُؤجَر، وإن شربه يأثم.



    فائدة مهمة على الهامش:

    أوضَح الأصوليُّون بأن الوسائل تأخُذ حكمَ الغاياتِ، فما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتمُّ المندوب إلا به فهو مندوب، وما لا يتمُّ المُحرَّم إلا به فهو مُحرَّم، وكمثال على الواجب نذكر هنا الوضوء للصلاة، فهو في الأصل مستحب، لكنه يرقى إلى الوجوب؛ لأن الصلاة لا تصحُّ إلا به فيأخذ حكمها، وأما ما هو مستحب كالسواك، فيُسنُّ شراؤه؛ لأن هذه السنة النبوية لا تتحقق إلا بالتوفُّر عليه، وأما مثال المحرَّم كبيع العنب لصانع الخمر، فالخمر يُصنَع بالعنب، فيتحول حكم بيعه من الإباحة إلى التحريم.



    حكم المكروه:
    ويعني في اللغة: المَبغوض، وفي التعريف الأصولي: هو ما نهى عنه الشرع نهيًا غير جازم، فالنهيُ يفيد في الأصل التحريم، إلا إذا جاء دليل يُحوِّله إلى الكراهة، ومثالنا على ذلك: "نهى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عن الشرب قائمًا"[9]، لكن ثبت عنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنه شرب قائمًا من ماء زمزم[10]، ورُوي أن عليًّا - رضي الله عنه - توضَّأ ثم قام فشرب من فضل وَضوئه، ثم قال: "إن أناسًا يتحرَّجون من الشرب قيامًا، ولقد رأيت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يشرب قائمًا"[11]، فقد دلَّ فِعل النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على جواز الشرب قائمًا؛ لأنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لا يفعل ما كان مُحرَّمًا؛ إنما شرب قائمًا ليُبيِّن للناس أن النهي عن الشرب قائمًا هو نهي كراهة وليس نهيَ تحريم، وقد ذكر العلماء أن كل سنَّة مُستحبة يُكرَه تركُها، وتسمى عند العلماء بـ "كراهةِ خلافِ الأَوْلى"؛ لأن الأَولى فعلُها، وحكم الكراهة يُثاب تاركها الذي امتثل للشرع ولا يأثَمُ فاعلها.



    الحكم الوضعي:

    هو التوجيه الشرعي الذي يتضمَّن الصحيح والباطل، والشرط والعِلة، والسبب والركن، والمانع، وغيرَ ذلك.



    الصحيح:

    يعني "الصحيح" في اللغة: السليم من المرض، وفي التعريف الأصولي: هو ما توفَّرت فيه الشروط وانعدمت فيه الموانع، فعَقدُ الزواج مثلاً، لا يمكن أن يكون صحيحًا إلا إذا توفر فيه رضا الزوجين، والصَّداق، وحضور ولي المرأة، وحضور شاهدَي عدل.



    الباطل:

    الباطل هو ضدُّ الصحيح، ويُرادفه الفاسد، وتعريفه عند الأصوليين: "ما توفَّر فيه مانع، أو انعدم فيه شرط"، فإذا حجَّ الإنسان ولم يقف بعرفةَ، فحجُّه باطل؛ لأن الوقوف بعرفة من أركان الحج، وإذا تزوج الإنسان من غير ولي المرأة، فزواجُه كذلك باطل.



    الشرط:

    يعني الشرط في اللغة: العلامة، قال الله تعالى مُتحدِّثًا عن الساعة: ﴿ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ [محمد: 18]؛ أي: علاماتها، وفي التعريف الأصولي: هو "الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم"؛ فالوضوء من شروط الصلاة، فإذا صلى الإنسان من غير وضوء، لزمهعدم صحة الصلاة، قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))[12]، وقال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أيضًا: ((لا صلاةَ مِن غير طُهور))[13]، وإذا توضَّأ لا تلزمه الصلاة، فقد يتوضأ الإنسان ولا يصلي، وهذا هو معنى قولِ الأصوليين: "ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم"، ويكون الشرط خارج العمل، فإن كان يدخل في مقدرة الإنسان، يُسمى شرط صحة؛ كسَتر العورة في الصلاة، وتطهير مكان الصلاة من النجاسة، واستقبال القبلة، وإن كان غير داخل في قدرة الإنسان، يُسمَّى شرطَ وجوبٍ؛ كدخول وقت الصلاة؛ لأن دخول وقتِها ليس بيد الذي يريد الصلاة.



    العلة:

    تعني العلة في اللغة: المرض، نقول: "صار جارُنا عليلاً"؛ أي: ظهَر عليه المرض، وفي التعريف الأصولي: هي سبب تشريع الحكم، مثال: قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58].



    فالعلة من خلقِ الله للجن والإنس هي تحقيق العبودية له في الأرض، ومن سنَّة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قَصْر الصلاة الرباعية في السفر، فعِلَّة قصر الصلاة هي السفر؛ لما قد يكونفيه من مشقة على المسافر، ومقصد الشرع التيسير على المكلفين؛ قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185].



    السبب:

    يُعرَّف السبب عند الأصوليين بـ: "الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم"، فمِن أسباب الإرث النكاح، فإذا توفر لزم أن ترث الزوجة من الزوج أو الزوج من الزوجة، وإذا انتفى بعدم زواجهما أصلاً أو طلاقهما، انعدم حق الإرث.



    الركن:

    يُعرَّف الركن في اللغة: بالعمود، يقال: أركان البيت؛ أي: أعمدته التي تَحمله، وفي التعريف الأصولي: هو الذي "يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدمُ" ويتميز على الشرط بدخوله في جسم العمل كأركان الصلاة، فإذا توفَّرت جميع أركان الصلاة، فالصلاة صحيحة، وإذا انعدم ركن واحد كالركوع أو السجود أو قراءةِ الفاتحة، بطَلَتْ، فهذا معنى قولِ الأصوليين: "ويلزم من عدمه العدم".



    المانع:

    يعني المانع في اللغة: الحاجز؛ يقال: "منعني حائط الحديقة من القفز إلى داخلها"،وفي التعريف الأصولي: هو "الذي يلزم من وجوده العدم"، فمثلاً الحيض يلزم من وجوده على المرأة تركُ الصلاة والصوم حتى تَطهُر، فقد لزم من وجوده عدمُ الصلاة والصوم.


    [1] جمع مُكلَّف، ويُرادُ به كل عاقلٍ بالغ.

    [2] أخرجه البخاري ومسلم.

    [3] أخرجه البخاري.

    [4] يرادف "المندوبَ" المستحبُّ، وكذا السنَّة والنافلة.

    [5] أخرجه البخاري.

    [6] أخرجه البخاري.

    [7] أخرجه مسلم.

    [8] أخرجه مسلم.

    [9] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا.

    [10] أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا.

    [11] أخرجه البخاري ومسلم.

    [12] أخرجه البخاري ومسلم.

    [13] أخرجه مسلم.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يونيو 19, 2018 4:52 am